تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة اثنتين وثلاثين وستمائة

فيها ضربت ببغداد دراهم وفرّقت في البلد، وتعاملوا بها، وإنما كانوا يتعاملون بقراضة الذّهب، القيراط، والحبّة، ونحو ذلك، فاستراحوا.

قاله في «العبر».

وفيها شرع الأشرف في بنائه خان الزّنجاري جامعا، وهو جامع التّوبة بالعقيبة وكان خانا معروفا بالفجور، والخواطئ، والخمور، وسمّاه «جامع التوبة» ووقف عليه أوقافا كثيرة. وجرى في خطابته نكتة غريبة وهي، أنه كان بمدرسة الشاميّة إمام يعرف بالجمال السّبتي وكان شيخا حسنا صالحا وكان في صباه يلعب بملهاة تسمّى الجغانة، ثم حسنت طريقته، وصار معدودا في عداد الأخيار، فولّاه الأشرف خطيبا، فلما توفي تولى مكانه العماد الواسطي الواعظ، وكان متّهما بشرب الشراب، وكان ملك دمشق في

ذلك الوقت الملك الصالح أبو الجيش، فكتب إليه الجمال عبد الرحيم بن الزّويتينة:

يا مليكا أوضح الحقّ لدينا وأبانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
جامع التّوبة قد قلّدني منه الأمانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
قال قل للملك الصّالح أعلى الله شانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
يا عماد الدّين يا منحمد النّاس زمانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
كم إلى كم أنا في ضرّ وبؤس وإهانة
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
لي خطيب واسطيّيعشق الشّرب ديانه
والذي قد كان من قبل يغنّي بالجغانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
فكما كنت كذا صرت فلا أبرح حانه
ردّني للنّمط الأوّل واستبق ضمانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة

وفيها توفي أبو صادق الحسن بن صبّاح المخزومي المصري الكاتب، عن نيّف وتسعين سنة. وكان آخر من حدّث عن ابن رفاعة. توفي [في] سادس عشر رجب، وكان أديبا، ديّنا، صالحا، جليلا.

وفيها الملك الزّاهر داود ابن الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب. كان صاحب البيرة بلد من ثغور الرّوم بقرب سميساط. وكان

فاضلا أديبا، وشاعرا مجيدا. يحب العلماء. مقصودا للشعراء وغيرهم، وهو الثاني عشر من أولاد صلاح الدّين.

وفيها شمس الدّين صواب العادلي الخادم، مقدّم جيش الكامل، وأحد من يضرب به المثل في الشجاعة. وكان له من جملة المماليك مائة خادم فيهم جماعة أمراء. توفي بحرّان في رمضان، وكان نائبا عليها للكامل.

وفيها الشّهاب عبد السّلام بن المطهّر بن أبي سعد بن أبي عصرون التّميميّ الدّمشقيّ الشّافعي. روى عن جدّه، وكان صدرا محتشما، مضى في الرسالة إلى الخليفة، وتوفي في المحرّم.

وفيها ابن باسويه تقي الدّين علي بن المبارك بن الحسن الواسطي، الفقيه الشافعي، المقرئ المجود. روى عن ابن شاتيل وطبقته، وقرأ القراءات على أبي بكر الباقلّاني، وعلي بن مظفّر الخطيب. وسكن دمشق، وقرأ بها. وتوفي في شعبان عن ست وسبعين سنة.

وفيها سيدي ابن الفارض ناظم «الديوان» المشهور شرف الدّين أبو القاسم عمر بن علي بن مرشد الحموي الأصل المصري.

قال في «العبر»: هو حجّة أهل الوحدة، وحامل لواء الشعراء.

وقال الشيخ عبد الرّؤوف المناوي في «طبقاته»: الملقب في جميع الآفاق بسلطان المحبّين والعشّاق، المنعوت بين أهل الخلاف والوفاق بأنه سيّد شعراء عصره على الإطلاق. له النظم الذي يستخف أهل الحلوم والنثر، الذي تغار منه النّثرة بل سائر النجوم.

قدم أبوه من حماة إلى مصر، فقطنها وصار يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكّام، ثم ولي نيابة الحكم، فغلب عليه التّلقيب بالفارض، ثم ولد له بمصر عمر في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة، فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة، وعبادة وديانة، بل زهد وقناعة، وورع أسدل عليه لباسه وقناعه. فلما شبّ وترعرع اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر، وعنه الحافظ المنذري وغيره. ثم حبّب إليه الخلاء وسلوك طريق الصّوفية، فتزهّد وتجرّد، وصار يستأذن أباه في السياحة فيسيح في الجبل الثاني من المقطّم، ويأوي إلى بعض أوديته مرّة، وفي بعض المساجد المهجورة في خربات القرافة مرّة، ثم يعود إلى والده، فيقيم عنده مدة، ثم يشتاق إلى التجرّد ويعود إلى الجبل، وهكذا حتّى ألف الوحشة وألفه الوحش، فصار لا ينفر منه، ومع ذلك لم يفتح عليه بشيء حتّى أخبره البقّال أنه إنما يفتح عليه بمكّة. فخرج فورا في غير أشهر الحجّ ذاهبا إلى مكّة، فلم تزل الكعبة أمامه، حتى دخلها، وانقطع بواد بينه وبين مكّة عشر ليال، فصار يذهب من ذلك الوادي وصحبته أسد عظيم إلى مكّة فيصلي بها الصلوات الخمس، ويعود إلى محلّه من يومه، وأنشأ غالب نظمه حالتئذ، وكان الأسد يكلّمه ويسأله أن يركب عليه فيأبي، وأقام كذلك نحو خمسة عشر عاما، ثم رجع إلى مصر فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر، وعكف عليه الأئمة،

وقصد بالزيارة من الخاصّ والعام، حتى إن الملك الكامل كان ينزل لزيارته.

وسأله أن يعمل له قبرا عند قبره بالقبّة التي بناها على ضريح الإمام الشافعي فأبى، وكان جميلا، نبيلا، حسن الهيئة والملبس، حسن الصحبة والعشرة، رقيق الطبع، عذب المنهل والنبع، فصيح العبارة، دقيق الإشارة، سلس القياد، بديع الإصدار والإيراد، سخيّا، جوادا، توجه يوما إلى جامع عمرو، فلقيه بعض المكّارية، فقال: اركب معي على الفتوح، فمرّ به بعض الأمراء، فأعطاه مائة دينار، فدفعها للمكّاري. وكان أيام النيل يتردد إلى المسجد المعروف بالمشتهى في الرّوضة، ويحبّ مشاهدة البحر مساء، فتوجّه إليه يوما، فسمع قصّارا يقصر ويقول:

قطّع قلبي هذا المقطعلا هو يصفو أو يتقطّع

فصرخ وسقط مغمى عليه، فصار يفيق ويردد ذلك ويضطرب، ثم يغمى عليه، وهكذا. وكان يواصل أربعينيات فاشتهى هريسة فأحضرها، ورفع لقمة إلى فيه، فانشقّ الجدار، وخرج شاب جميل فقال: أف عليك، فقال: إن أكلتها، ثم طرحها وأدّب نفسه بزيادة عشر ليال.

ورأى المصطفى ﷺ في نومه فقال: «إلى من تنتسب» ؟ فقال:

يا رسول الله! إلى بني سعد قبيلة حليمة، فقال: «بل نسبك متّصل بي» يعني نسبة محبة وتبعية.

ومن خوارقه العجيبة أنّه رأى جملا لسقاء، فكلف به وهام، وصار يأتيه كل يوم ليراه، وناهيك ب «ديوانه» الذي اعترف به الموافق والمخالف، والمعادي والمحالف. سيما القصيدة التائية. وقد اعتنى بشرحها جمع من

الأعيان، كالسّراج الهندي الحنفي، والشمس البسطامي المالكي، والجلال القزويني الشّافعي، غير متعاقبين ولا مبالين بقول المنكرين الحسّاد. شعره ينعت بالاتحاد، وكذا شرحها الفرغاني، والقاشاني، والقيصري، وغيرهم.

وعلى الخمريّة وغيرها شروح عدة.

وقال بعض أهل الرسوخ: إن «الديوان» كله مشروح.

وذكر بعض الأكابر أن بعض أهل الظّاهر في عصر الحافظ ابن حجر كتب على التائية شرحا وأرسله إلى بعض عظماء صوفية الوقت ليقرضه فأقام عنده مدة ثم كتب عليه عند إرساله إليه:

سارت مشرّقة وسرت مغرّباشتّان بين مشرّق ومغرّب

فقيل له في ذلك، فقال: مولانا الشّارح اعتنى بإرجاع الضمائر والمتبدإ والخبر والجناس والاستعارة، وما هنالك من اللغة والبديع، ومراد الناظم وراء ذلك كلّه. وقد أثنى على «ديوانه» حتّى من كان سيء الاعتقاد، ومنهم ابن أبي حجلة الذي عزّره السّراج الهندي بسبب الوقيعة فيه، فقال:

هو من أرقّ الدواوين شعرا وأنفسها درّا، برّا وبحرا. وأسرعها للقلوب جرحا وأكثرها على الطّلول نوحا، إذ هو صادر عن نفثة مصدور، وعاشق مهجور، وقلب بحرّ النّوى مكسور، والناس يلهجون بقوافيه وما أودع من القوى فيه، وكثر حتّى قلّ من لا رأى «ديوانه» أو طنّت بأذنه قصائده الطنّانة.

قال الكمال الأدفوي: وأحسنه القصيدة الفائية التي أولها:

قلبي يحدّثني بأنّك متلفي

واللّاميّة التي أولها:

هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل

والكافية التي أولها:

ته دلالا فأنت أهل لذاكا

قال: وأما التائية فهي عند أهل العلم- يعني الظّاهر- غير مرضية، مشعرة بأمور رديئة.

وكان عشاقا بعشق مطلق الجمال، حتّى أنه عشق بعض الجمال. بل زعم بعض الكبار أنه عشق برنيّة بدكان عطّار.

وذكر القوصي في «الوحيد» أنه كان للشيخ جوار بالبهنسا يذهب

إليهن فيغنّين له بالدّف والشبابة، وهو يرقص ويتواجد، ولكل قوم مشرب، ولكلّ مطلب. وليس سماع الفسّاق كسماع سلطان العشّاق. ولم يزل على حاله راقيا في سماء كماله، حتى احتضر، فسأل الله أن يحضره في ذلك الهول العظيم جماعة من الأولياء، فحضره جماعة، منهم: البرهان الجعبري، فقال- فيما حكاه سبط صاحب الترجمة-: رأى الجنّة مثلت له، فبكى وتغيّر لونه، ثم قال:

إن كان منزلتي في الحبّ عندكمما قد رأيت فقد ضيّعت أيّامي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «إن كان منزلتي في الحب عندكم»

قال: فقلت له: يا سيدي! هذا مقام كريم. فقال: يا إبراهيم رابعة وهي امرأة تقول: وعزّتك ما عبدتك رغبة في جنّتك، بل لمحبّتك، وليس هذا ما قطعت عمري في السلوك إليه، فسمعت قائلا يقول له: فما تروم فقال:

أروم وقد طال المدى منك نظرة

البيت.

فتهلل وجهه وقضى نحبه، فقلت: إنه أعطي مرامه. انتهى.

وقد شنّع عليه بذلك المنكرون.

فقال بعضهم: لما كشف له الغطاء، وتحقّق أنه هو غير الله، وأنه لا حلول ولا اتحاد، قال ذلك.

وقال بعضهم: قاله لما حضره ملائكة العذاب الأليم، أستغفر الله سبحانه، هذا بهتان عظيم.

والحاصل أنه اختلف في شأن صاحب الترجمة، وابن عربي، والعفيف التّلمساني، والقونوي، وابن هود، وابن سبعين، وتلميذه الشّشتري، وابن مظفّر، والصفّار من الكفر إلى القطبانية. وكثرت التصانيف من الفريقين في هذه القضية، ولا أقول كما قال بعض الأعلام سلّم تسلم والسلام، بل أذهب إلى ما ذهب إليه بعضهم أنه يجب اعتقادهم وتعظيمهم، ويحرم النظر في كتبهم على من لم يتأهل لتنزيل ما فيها من الشطحات على قوانين الشريعة المطهّرة، وقد وقع لجماعة من الكبار الرجوع عن الإنكار. انتهى كلام المناوي مختصرا.

وما أحسن قوله في التائية:

وكلّ أذى في الحبّ منك إذا بداجعلت له شكري مكان شكيّتي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»

وله ما رأيته في دواوينه، وهو معنى في غاية اللّطف والرّقّة:

خلص الهوى لك واصطفتك مودّتيإني أغار عليك من ملكيكا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إني لأحمد ناظري عليكا»
ولو استطعت منعت لفظك غيرةإني أراه مقبّلا شفتيكا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إني لأحمد ناظري عليكا»
وأراك تخطر في شمائلك التيهي فتنة فأغار منك عليكا
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

ورؤي في النوم فقيل له: لم لا مدحت المصطفى في «ديوانك» ؟

فقال:

أرى كلّ مدح في النّبيّ مقصّراوإن بالغ المثني عليه وكثّرا
إذا الله أثنى بالذي هو أهلهعليه فما مقدار ما يمدح الورى

ويقال: إنه لما نظم قوله:

وعلى تفنّن واصفيه بحسنهيفنى الزّمان وفيه ما لم يوصف
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «قلبي يحدثني بأنك متلفي»

فرح فرحا شديدا وقال: لم يمدح ﷺ بمثله، وبعض الناس يقول:

باطن كلامه كلّه مدح فيه ﷺ، وغالب كلامه لا يصلح أن يراد به ذلك، والله أعلم.

توفي- رحمه الله تعالى- في جمادى الأولى عن ست وخمسين سنة إلا شهرا، ودفن بالمقطّم.

وفيها الشيخ شهاب الدّين السّهروردي، قدوة أهل التوحيد، وشيخ العارفين أبو حفص، وأبو عبد الله، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد التّيمي البكري الصّوفي الشّافعي.

ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بسهرورد، وقدم بغداد، فلحق بها هبة الله بن الشّبلي، فسمع منه، وصحب عمّه أبا النّجيب، وتفقه وتفنّن، وصنّف التصانيف، منها «عوارف المعارف» في بيان طريقة القوم، وانتهت إليه تربية المريدين، وتسليك العبّاد، ومشيخة العراق.

قال الذهبي: لم يخلّف بعده مثله.

وقال ابن شهبة في «طبقاته»: أخذ عن أبي القاسم بن فضلان، وصحب الشيخ عبد القادر، وسمع الحديث من جماعة. وله «مشيخة» في

جزء لطيف. روى عنه ابن الدّبيثي، وابن نقطة، والضياء، والزّكي البرزالي، وابن النجّار، وطائفة.

وقال ابن النجار: كان شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرئاسة في تربية المريدين، ودعاء الخلق إلى الله تعالى. وبالغ في الثناء عليه.

وعمي في آخر عمره وأقعده، ومع ذلك فما أخلّ بشيء من أوراده.

وقال ابن خلّكان: كان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ، وعلى وعظه قبول كثير. وله نفس مبارك. حكى لي من حضر مجلسه أنه أنشد يوما على الكرسي:

لا تسقني وحدي فما عوّدتنيإني أشحّ بها على جلّاسي
أنت الكريم ولا يليق تكرّماأن يصبر النّدماء دون الكاس

فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كبير.

وله تآليف حسنة، منها: كتاب «عوارف المعارف» وهو أشهرها.

وله شعر منه:

تصرّمت وحشة اللّياليوأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حسودامن كان في هجركم رثى لي
وحقّكم بعد إذ حصلتمبكلّ من فات لا أبالي
تقاصرت عنكم قلوبفيا له موردا حلالي
عليّ ما للورى حراموحبّكم في الحشا حلالي
تشرّبت أعظمي هواكمفما لغير الهوى ومالي
فما على عادم أجاجاوعنده أعين الزّلال

وكان كثير الحجّ، وربما جاور في بعض حججه، وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه صور فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم.

سمعت بعضهم أنه كتب إليه: يا سيدي إني إن تركت العمل، أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيّهما أولى؟ فكتب جوابه: اعمل واستغفر الله من العجب. وله من هذا شيء كثير.

وذكر في «عوارف المعارف» أبياتا لطيفة، منها:

أشمّ منك نسيما لست أعرفهأظنّ لمياء جرّت فيك أذيالا

وفيه أيضا:

إن تأمّلتكم فكلّي عيونأو تذكّرتكم فكلّي قلوب

توفي في مستهل المحرم ببغداد، رحمه الله تعالى. انتهى ملخصا.

وفيها الشيخ غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر المقدسي النابلسي القدوة الزاهد، أحد عبّاد الله الأخفياء الأتقياء، والسّادة الأولياء.

ولد سنة اثنتين وستين وخمسمائة بقرية بورين من عمل نابلس، وسكن القدس عام أنقذه السلطان صلاح الدّين من الفرنج سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وساح بالشام، ورأى الصّالحين، وكان مؤثرا للخمول، صاحب أحوال وكرامات.

قال ابنه عبد الله: انقطع تحت الصخرة في الأقباء السليمانية ست سنين، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي بقية عمره، وعاشا جميعا مصطحبين.

وقد أفرد سيرة الشيخ غانم [في «جزء»]: أبو عبد الله محمد بن الشيخ علاء الدّين. وتوفي الشيخ غانم في غرّة شعبان، ودفن بالحضيرة التي بها صاحبه ورفيقه الشيخ عبد الله الأرموي بسفح قاسيون.

وفيها محمد بن عبد الواحد بن أبي سعيد المديني الواعظ أبو عبد الله، مسند العجم.

ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وسمع من إسماعيل الحمّامي، وأبي الوقت [السّجزي]، وأبي الخير الباغبان.

قال ابن النجار: واعظ مفت، شافعيّ. له معرفة بالحديث وقبول عند أهل بلده. وفيه ضعف. بلغنا أنه استشهد بأصبهان على يد التتار في أواخر رمضان. انتهى.

وقال الذهبي: وفي دخولهم إليها قتلوا أمما لا تحصى.

وفيها محمد بن عماد بن محمد بن حسين الحرّاني الحنبلي التاجر، نزيل الإسكندرية. روى عن ابن رفاعة، وابن البطّي، والسّلفي،

وطائفة كثيرة باعتناء خاله حمّاد الحرّاني. وتوفي في عاشر صفر، وكان ذا دين وعلم وفقه، عاش تسعين سنة. وروى عنه خلق كثير.

وفيها شعرانة، وجيه الدّين، محمد بن أبي غالب زهير بن محمد الأصبهاني الثّقة الصّالح. سمع «الصحيح» من أبي الوقت [السّجزي] وعمّر دهرا، ومات شهيدا.

وفيها محمد بن غسّان بن غافل بن نجاد الأمير سيف الدولة الحمصي ثم الدمشقي. روى عن الفلكيّ، وابن هلال، وطائفة. وتوفي في شعبان عن ثمانين سنة.

وفيها أبو الوفاء محمود بن إبراهيم بن سفيان بن مندة العبدي الأصبهاني، بقية آل مندة ومسند وقته. روى الكثير عن مسعود الثّقفي، والرّستمي، وأبي الخير الباغبان، وغيرهم. وعدم تحت السيف، ﵀.

وفيها أبو موسى الرّعيني عيسى بن سليمان بن عبد الله الرّعيني الأندلسي المالقي الرّندي الحافظ. كان حافظا متقنا أديبا نبيلا.

قال ابن ناصر الدّين في «بديعته»:

ثم أبو موسى الرّعيني عيسىخير له بضبطه النّفيسا

وفيها أبو يحيى وأبو الفضل، عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل

ابن خمارتكين بن طاشتكين الإربلي المعروف بالحاجري، الملقب حسام الدّين.

قال ابن خلّكان: هو جندي ومن أولاد الأجناد، وله «ديوان» شعر تغلب عليه الرّقّة، وفيه معان جيدة، وهو مشتمل على الشعر، والدّوبيت، والمواليا.

ولقد أحسن في الكلّ مع أنه قلّ من يجيد في مجموع الثلاثة. وله أيضا «كان وكان» واتفقت له فيه مقاصد حسان. وكان صاحبي وأنشدني كثيرا من شعره، فمن ذلك قوله- وهو معنى جيد-:

ما زال يحلف لي بكلّ أليّةأن لا يزال مدى الزّمان مصاحبي
لما جفا نزل العذار بخدّهفتعجّبوا لسواد وجه الكاذب

وأنشدني لنفسه أيضا:

لك خال من فوق عرش شقيق قد استوى
بعث الصّدغ مرسلايأمر النّاس بالهوى
للشاعر شاعر مجهول، من قصيدة «بعث الصدغ مرسلاً»

وأنشدني لنفسه أبياتا منها في صفة الخال:

لم يحو ذاك الخدّ خالا أسوداإلّا لنبت شقائق النّعمان

وله، وقال لي: ما يعجبني فيما عملت مثل هذا الدّوبيت، وهو آخر شيء عملته إلى الآن وهو:

حيّا وسقى الحمى سحاب هاميما كان ألذّ عامه من عام
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «حيا وسقى الحمى سحاب هامي»
يا علوة ما ذكرت أيّامكمإلّا وتظلّمت على الأيام

وكان لي أخ يسمى ضياء الدّين عيسى، وكان بينه وبين الحاجري المذكور مودة أكيدة، فكتب إليه من الموصل في صدر كتاب، وكان الأخ بإربل:

الله يعلم ما أبقى سوى رمقمنّي فراقك يا من قربه أمل
فابعث كتابك واستودعه تعزيةفربما متّ شوقا قبل ما يصل

وكنت قد خرجت من إربل في أواخر شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة وهو معتقل بقلعتها لأمر يطول شرحه، بعد أن كان حبس بقلعة خفتيد كان ثم نقل منها، وله في ذلك أشعار منها قوله:

قيد أكابده وسجن ضيّقيا ربّ شاب من الهموم المفرق

ومنها:

يا برق إن جئت الدّيار بإربلوعلا عليك من التّداني رونق
بلّغ تحيّة نازح حسراتهأبدا بأذيال الصّبا تتعلّق
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «قيد يكابده وسجن ضيق»
قل يا حبيب لك الفداء أسيركممن كلّ مشتاق إليكم أشوق
والله ما سرت الصّبا نجديةإلّا وكدت بدمع عيني أشرق

وبلغني بعد ذلك أنه خرج من الاعتقال، واتصل بخدمة الملك المعظم مظفّر الدّين صاحب إربل، وتقدم عنده وغيّر لباسه، وتزيّا بزي الصّوفية. فلما توفي مظفّر الدّين سافر من إربل ثم عاد إليها وقد صارت في مملكة أمير المؤمنين المستنصر بالله ونائبه بها الأمير شمس الدّين أبو الفضائل باتكين، وكان وراءه من يقصده، فاتفق أنه خرج من بيته يوما قبل الظهر، فوثب عليه شخص وضربه بسكين فأخرج حشوته، فكتب في تلك الحال إلى باتكين المذكور وهو يكابد الموت:

أشكوك يا ملك البسيطة حالةلم تبق رعبا في عضوا ساكنا
إن تستبح إبلي لقيطة معشرممن أؤمل غير جأشك مازنا
ومن العجائب كيف يمشي خائفامن بات في حرم الخلافة آمنا

ثم توفي بعد ذلك من يومه يوم الخميس ثاني شوال، وتقدير عمره خمسون سنة.

والحاجري: بفتح الحاء المهملة، وبعد الألف جيم مكسورة، وبعدها راء، نسبة إلى حاجر بليدة بالحجاز، لم يبق اليوم منها سوى الآثار، ولم يكن الحاجريّ منها، بل نسب إليها لكونه استعملها في شعره كثيرا. انتهى ملخصا.

وفيها أبو الفتوح الوثّابي محمد بن محمد بن أبي المعالي الأصبهاني. يروي عن جدّه كتاب الذّكر بسماعه من ابن طبرزد، ويروي عن رجاء بن حامد المعداني، راح تحت السيف في فتنة التتار، وله ثمان وسبعون سنة.

وفيها جامع بن إسماعيل بن غانم بن صائن الدّين الأصبهاني الصّوفي، المعروف بباله، راوي «جزء» لوين عن محمد بن أبي القاسم الصّالحاني.

وفيها شمس الدّين محمود بن علي بن محمود بن قرقين الدّمشقي، الجندي الأديب الشاعر. روى عن أبي سعد بن أبي عصرون، وتوفي في شوال.

وفيها ابن شدّاد قاضي القضاة بهاء الدّين أبو العزّ يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الحلبي الشافعي.

ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقرأ القراءات والعربية بالموصل على يحيى بن سعدون القرطبي. وسمع من حفدة العطاردي وطائفة، وبرع في الفقه والعلوم، وساد أهل زمانه، ونال رئاسة الدّين والدّنيا، وصنّف التصانيف.

قال ابن شهبة: سمع من جماعة كثيرة ببغداد وغيرها، وأعاد بالنظامية في حدود سنة سبعين، ثم انحدر إلى الموصل، ودرّس بمدرسة الكمال الشهرزوري، ثم حجّ سنة ثلاث وثمانين، وزار الشام واصتل بالسلطان صلاح الدّين وحظي عنده، وولاه قضاء العسكر وقضاء بيت المقدس، وصنّف له كتابا في فضل الجهاد. ولما توفي اتصل بولده الظاهر وولاه قضاء حلب ونظر أوقافها، وأجزل رزقه وعطاءه، وأقطعه إقطاعا جزيلا، ولم يكن له ولد ولا قرابة، فكان ما يحصل له يتوفر عنده، فبنى به مدرسة وإلى جانبها، دار حديث وبينهما تربة، وقصده الطلبة للدّين والدّنيا، وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره وارتفاع منزلته.

قال عمر بن الحاجب: كان ثقة عارفا بأمور الدّين، اشتهر اسمه وسار ذكره، وكان ذا صلاح وعبادة، وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانه. دبّر أمر الملك بحلب، واجتمعت الألسن على مدحه، وطوّل ابن خلّكان ترجمته، وهو ممن أخذ عنه.

توفي في رابع صفر، ودفن بتربته بحلب، وذلك بعد أن ظهر أثر الهرم عليه. ومن تصانيفه «دلائل الأحكام» على التنبيه في مجلدين، وكتاب «الموجز الباهر» في الفقه، وكتاب «ملجأ الحكّام» في الأقضية في مجلدين، و «سيرة صلاح الدّين» أجاد فيها وأفاد.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.