من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة
بها ابتدأ الحافظ ابن حجر كتابه «إنباء الغمر بأنباء العمر» فإنه ولد في شعبانها.
وفيها أمر السّلطان الملك الأشرف الأشراف أن يمتازوا عن الناس بعصائب خضر على العمائم ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما، وفي ذلك يقول عبد الله بن جابر الأندلسي نزيل حلب:
جعلوا لأبناء الرّسول علامةإنّ العلامة شأن من لم يشهر
نور النّبوّة في كريم وجوههمتغني الشّريف عن الطّراز الأخضر
وقال محمد بن [إبراهيم بن] بركة الدمشقي المزيّن:
أطراف تيجان أتت من سندسخضر بأعلام على الأشراف
والأشرف السّلطان خصّهم بهاشرفا ليفرقهم من الأطراف
وفيها توفي الأصيل المسند نجم الدّين أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر بن قدامة المعروف بابن النّجم الحنبلي.
ولد سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وروى عن ابن البخاري، والتّقي بن عساكر، وغيرهما. وحدّث، وعمّر، وتفرّد.
وقال ابن حجي: سمعنا منه مسموعه من «مشيخة ابن البخاري» و «أمالي ابن سمعون».
توفي ليلة الجمعة ثالث جمادى الآخرة ودفن بمقبرة جدّه.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن بلبان بن عبد الله الدمشقي المالكي الفقيه المفتي، كاتب الحكم.
مات في صفر وخلّف مالا كثيرا.
وفيها بهاء الدّين أبو حامد أحمد بن علي بن عبد الكافي بن يحيى بن تمّام السّبكي.
ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، وكان اسمه أولا تمّاما ثم غيّره أبوه بعد أن بلغ سنّ التمييز، وحفظ القرآن صغيرا، وتلا على التّقي الصّايغ، وسمع من الحجّار وغيره، واشتغل بالعلوم فمهر فيها، وأفتى ودرّس، وله عشرون سنة. وولي وظائف أبيه بالقاهرة وله إحدى وعشرون سنة لما تحوّل والده إلى قضاء الشام.
قال ابن حبيب: إمام، علم، زاخر اليّم، مقرون بالوفاء الجم، وفضله مبذول لمن قصد وأمّ، وقلمه كم باب عدل فتح، وكم شمل معروف منح، وكان مواظبا على التّلاوة والعبادة وهو القائل:
أتتني فأولتني الّذي كنت طالباوحيّت فأحيت لي منى ومآربا
وقد كنت عبدا للكتابة أبتغيفرقّت على رقّي فصرت مكاتبا
وقال فيه والده وقد حضر درسه
دروس أحمد خير من دروس عليّوذاك عند عليّ غاية الأمل
فقال الصلاح الصّفدي بديها:
لأنّ في الفرع ما في الأصل ثمّ لهمزيّة وقياس النّاس فيه جلي
وذكره الذهبي في «المعجم المختص» فقال: له فضائل وعلم جيد، وفيه أدب وتقوى، ساد وهو ابن عشرين سنة، ودرّس في مناصب أبيه، وأثنى على دروسه.
وقال غيره: كان كثير الحج والمجاورة والأوراد والمروءة، خبيرا بأمر دنياه وآخرته، ونال من الجاه ما لم ينله غيره، وولي إفتاء دار العدل، وقضاء الشام، وقضاء العسكر. وحدّث، فسمع منه الحفّاظ والأئمة، وصنّف «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» أبان فيه عن سعة دائرة في الفنّ، وصنّف غير ذلك.
توفي بمكّة في رجب وله ست وخمسون سنة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عثمان البكري بن المجد الشاعر.
كانت له قدرة على النّظم وله مدائح في الأعيان.
ومن شعره قصيدة أولها:
رعاهم الله ولا روّعواما لهم ساروا ولا ودّعوا
مات بمنية ابن خصيب في شهر رمضان.
وفيها أبو بكر بن رسلان بن نصير البلقيني أخو سراج الدّين.
كان يتردد إلى أخيه وهو أسنّ منه بقليل، وكان على طريقة والده. قدم على أخيه في هذه السنة ليزوّج ولده جعفر، فمرض عند الشيخ ومات، فأسف عليه لأنه مات في غربة وهو شقيقه، فصار يقول: ذهب أبو بكر سيذهب عمر، فبينا هو في هذه الحال إذ سمع قارئا يقرأ: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ فعاش بعد أخيه اثنتين وثلاثين سنة، وقد أنجب أبو بكر هذا أولادا نبغ منهم رسلان، وجعفر، وناصر الدّين.
وفيها تقي الدّين أبو بكر [بن] محمد العراقي ثم المصري الحنبلي.
كان من فضلاء الحنابلة وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها بدر الدّين الحسن بن أحمد بن الحسن بن عبد الله بن عبد الغني المقدسي.
سمع من سليمان بن حمزة وغيره، وتفقه، وبرع، وأفتى، وأمّ بمحراب الحنابلة بجامع دمشق.
توفي بالصالحية في ثامن عشري شعبان.
وفيها أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الجبرتي المقرئ المؤدّب، نزيل مكّة.
سمع بدمشق من المزّي، وبمكّة من الوادي آشي، والزّين الطّبري،
وغيرهم. وحدّث، فسمع منه أبو حامد بن ظهيرة، ومات في صفر.
وفيها شمس الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن العزّ محمد بن العزّ إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر الصّالحي الحنبلي الشيخ الإمام الخطيب الفرضي.
ولد في رجب سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من ابن حمزة، وابن عبد الدائم، وغيرهما. وسمع منه شهاب الدّين بن حجي، وكان من خيار عباد الله، وله يد طولى في الفرائض، وله حلقة وخطابة بالجامع المظفّري.
توفي يوم الأربعاء مستهل جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون.
وفيها فخر الدّين عثمان بن محمد بن أبي بكر بن حسن الحرّاني ثم الدمشقي، ابن المغربل، ويعرف قديما بابن سينا.
ولد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من القاسم بن مظفّر، وابن الشّيرازي، وغيرهما. وطلب بنفسه، وحصّل الكثير، وحدّث، وحجّ كثيرا.
وذكره الذهبي في «المختص».
مات بحلب في حادي عشر ذي القعدة أو ذي الحجّة.
وفيها سراج الدّين عمر بن إسحاق بن أحمد الغزنوي الهندي، قاضي الحنفية بالقاهرة. تفقه على الوجيه الرّازي بمدينة دلّي بالهند، والسّراج الثّقفي،
والرّكن البداوني، وغيرهم من علماء الهند. وحجّ فسمع بمكة. وقدم القاهرة نحو سنة أربعين فسمع بها، وظهرت فضائله، ثم ولي قضاء العسكر بعد أن كان ينوب عن الجمال التّركماني، ثم عزل، ثم قويت شوكته لما مات علاء الدّين التركماني، وولي ولده جمال الدّين فاستنابه، ولم يستنب غيره، فاستبدّ بجميع الأمور، وعظمت منزلته عند السلطان حسن، وقرر في قضاء الحنفية استقلالا سنة تسع وستين.
ومن تصانيفه: «شرح المغني» و «شرح الهداية» و «شرح بديع ابن الساعاتي» و «تائية ابن الفارض».
قال ابن حجر: كان واسع العلم، كثير الإقدام والمهابة، وكان يتعصب للصّوفية الاتحادية، وعزّر ابن أبي حجلة لكلامه في ابن الفارض.
مات في الليلة التي مات فيها البهاء السّبكي سابع رجب، وكان يكتب بخطّه مولدي سنة أربع وسبعمائة انتهى.
وفيها زين الدّين عمر بن عثمان بن موسى الجعفري الدمشقي.
قال ابن حجر: تفقه، وبرع، ودرّس بالجاروخية، وخطب بجامع العقيبة.
مات في نصف المحرم راجعا من الحجّ.
وفيها أبو الفتح بن يوسف بن الحسن بن علي السّجزيّ المكّي دلّي: بدال مهملة، ولام مشدّدة مكسورتين، ثم مثناة تحتية.
قلت: وتعرف الآن ب «دهلي» أو «دلهي» وهو الاسم الشائع للمدينة الآن.
الحنفي، إمام مقام الحنفية بمكّة. صحب الشيخ أحمد الأهدل اليمني، وتزهد، ودار بمكّة وفي عنقه زنبيل.
وفيها كمال الدّين محمد بن فخر الدّين أحمد بن كمال الدّين عبد الرحمن بن عبد الله بن سعيد بن حامد الهلالي الإسكندراني المالكي بن الرّبعي قاضي الإسكندرية وابن قاضيها.
ولد بها سنة ثلاث وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن مخلوف وغيره، وسمع بمكّة من عيسى المحجّي، وسمع منه الحافظ العراقي، وهو الذي أرّخه.
وفيها عزّ الدّين محمد بن أبي بكر بن علي الصّوفي الصّالحي أحد المسندين بدمشق.
ولد سنة إحدى أو اثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من ابن القواس «معجم ابن جميع» ومن إسماعيل بن الفرّاء بعض «سنن ابن ماجة» وحدّث، وتفرّد، وهو أحد من أجاز عاما.
توفي بالصالحية في أحد الجمادين.
وفيها جمال الدّين أبو الغيث محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الخالق ابن الصّايغ الدمشقي.
سمع من الحجّار، وأسماء بنت صصرى، وغيرهما. وولي قضاء حمص وغزّة، ودرّس بالعمادية بدمشق، وأقام عند جدّه بحلب مدة، وناب في الحكم بسرمين ومات في ذي الحجّة عن نحو الأربعين سنة.
قال ابن حجر: وهو أخو شيخنا أبي اليسر أحمد.
وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن عيسى الاقصرائي الحنفي.
قدم دمشق، وسمع على المزّي وغيره، ودرّس بالعزّيّة البرّانيّة بالشرف الأعلى، وخطب بها.
مات في ذي القعدة.
وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن يعقوب النابلسي ثم الدمشقي بن الجواشنيّ الحنفي.
سمع من عيسى المطعّم، وابن عبد الدائم، وغيرهما. وعني بالعلم، وناب في الحكم.
توفي [في] تاسع ربيع الآخر عن ستين سنة وأشهر.
وفيها محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللّوشي - بفتح اللام وسكون الواو بعدها معجمة- الغرناطي.
سمع من جعفر بن الزّين «سنن النسائي الكبرى» و «الشفا» و «الموطأ».
وأخذ عن فضل المعافري. وكان عارفا بالحديث وضبط مشكله، وبالقراءات وطرقها، مشاركا في الفقه.
توفي في جمادى الآخرة.
وفيها شرف الدّين يحيى بن عبد الله الرّهوني- نسبة إلى رهون
جبل قرب فاس- الفقيه المالكي. اشتغل، ومهر، ودرّس بالشيخونية، والحديث في الصرغتمشية، وله تخاريج وتصانيف، وتخرّج به المصريون.
توفي في ثالث شوال.
وفيها يحيى بن محمد بن زكريا بن محمد بن يحيى العامري اليلدي الحموي ابن الخباز الشاعر الزجّال، تلميذ السّراج المحّار. تمهّر، ونظم في الفنون، وشارك في الآداب، وكتب عنه الصّفدي وغيره، وكان يتشيّع.
مات في ذي الحجّة وقد عمّر طويلا.
قال الصّفدي: سألته عن مولده فقال: سنة سبع وتسعين وستمائة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع