من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس وثمانين وثمانمائة
فيها توفي الإمام برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط البقاعي الشافعي المحدّث المفسّر الإمام العلّامة المؤرّخ.
ولد سنة تسع وثمانمائة- قال هو:- في ليلة الأحد تاسع شعبان سنة إحدى وعشرين وثمانمائة أوقع ناس من قريتنا خربة روحا من البقاع يقال لهم: بنو مزاحم بأقاربي بني حسن من القرية المذكورة، فقتلوا تسعة أنفس، منهم أبي عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر، وأخواه محمد سويد شقيقه، وعلي أخوهما لأبيهما، وضربت أنا بالسيف ثلاث ضربات إحداها في رأسي فجرحتني، وكنت إذ ذاك ابن اثنتين عشرة سنة، فخرجنا من القرية المذكورة، واستمرينا نتنقل في قرى وادي التيم، والعرقوب، وغيرهما، إلى أن أراد الله تعالى بإقبال السعادتين الدنيوية والأخروية فنقلني جدّي لأمي علي بن محمد السّليمي إلى دمشق، فجوّدت القرآن، وجدّدت حفظه، وأفردت القراآت وجمعتها على بعض المشايخ، ثم على الشّمس ابن الجزري لما قدم إلى دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة، واشتغلت بالنحو، والفقه، وغيرهما من العلوم، وكان ما أراد الله تعالى
من التنقّل في البلاد والفوز بالغزو والحجّ- أدام الله نعمه آمين-.
ومن ثمرات ذلك أيضا الإراحة من الحروب والوقائع التي أعقبتها هذه الواقعة، فإنها استمرت أكثر من ثلاثين سنة، ولعلها زادت على مائة وقعة، كان فيها ما قاربت القتلى فيه ألفا. انتهى بحروفه.
وأخذ المترجم عن أساطين عصره، كابن ناصر الدّين، وابن حجر، وبرع، وتميّز، وناظر وانتقد حتى على شيوخه، وصنّف تصانيف عديدة، من أجلّها «المناسبات القرآنية» و «عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران» و «تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي» وانتقد عليه بسبب هذا التأليف، وتناولته الألسن، وكثر الردّ عليه، فممن ردّ عليه العلّامة السيوطي بكتابه «تنبيه الغبي بتبرئة ابن العربي».
وبالجملة فقد كان من أعاجيب الدّهر وحسناته.
وتوفي بدمشق في رجب عن ست وسبعين سنة.
وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السّعدي ثم الصّالحي الحنبلي الشيخ الإمام العلّامة المحقّق المفنّن أعجوبة الدّهر، شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقّحه، بل شيخ الإسلام على الإطلاق ومحرّر العلوم بالاتفاق.
ولد سنة سبع عشرة وثمانمائة، وخرج من بلده مردا في حال الشبيبة، فأقام بمدينة سيدنا الخليل- ﵊ بزاوية الشيخ عمر المجرّد ﵀، وقرأ بها القرآن، ثم قدم إلى دمشق، ونزل بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بالصّالحية، واشتغل بالعلم، فلاحظته العناية الرّبانية، واجتمع بالمشايخ، وجدّ في
الاشتغال، وتفقّه على الشيخ تقي الدّين بن قندس البعلي شيخ الحنابلة في وقته، فبرع وفضل في فنون من العلوم، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وباشر نيابة الحكم دهرا طويلا، فحسنت سيرته، وعظم أمره، ثم فتح عليه في التصنيف، فصنّف كتبا كثيرة في أنواع العلوم، أعظمها «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» أربع مجلدات ضخمة جعله على «المقنع» وهو من كتب الإسلام، فإنه سلك فيه مسلكا لم يسبق إليه، بيّن فيه الصحيح من المذهب، وأطال فيه الكلام، وذكر في كل مسألة ما نقل فيها من الكتب وكلام الأصحاب، فهو دليل على تبحر مصنّفه، وسعة علمه، وقوة فهمه، وكثرة اطلاعه، ومنها «التنقيح المشبع في تحريم المقنع» وهو مختصر «الإنصاف» و «التحرير في أصول الفقه» ذكر فيه المذاهب الأربعة، وغيرها وشرحه، وجزء في الأدعية والأوراد سمّاه «الحصون المعدّة الواقية من كل شدّة» و «تصحيح كتاب الفروع» لابن مفلح، و «شرح الآداب». وغير ذلك. وانتفع الناس بمصنّفاته، وانتشرت في حياته وبعد وفاته، وكانت كتابته على الفتوى غاية، وخطه حسن، وتنزه عن مباشرة القضاء في أواخر عمره، وصار قوله حجّة في المذهب يعوّل عليه في الفتوى والأحكام في جميع مملكة الإسلام. ومن تلامذته قاضي القضاة بدر الدّين السّعدي قاضي الديار المصرية، وغالب من في المملكة من الفقهاء والعلماء وقضاة الإسلام، وما صحبه أحد إلّا وحصل له الخير، وكان لا يتردد إلى أحد من أهل الدنيا، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان الأكابر والأعيان يقصدونه لزيارته والاستفادة منه، وحجّ، وزار بيت المقدس مرارا، ومحاسنه أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.
وتوفي بالصالحية دمشق يوم الجمعة سادس جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون قرب الرّوضة.
وفيها سراج الدّين عمر بن حسين بن حسن بن علي العبّادي القاهري الشافعي الأزهري الإمام العلّامة، شيخ الشافعية في عصره.
توفي في ربيع الأول وقد جاوز الثمانين سنة.
وفيها تقريبا المولى عزّ الدّين عبد اللطيف [بن عبد العزيز] بن الملك الحنفي الشهير بابن قرشته.
قال في «الشقائق»: كان عالما فاضلا ماهرا في جميع العلوم الشرعية، شرح «مجمع البحرين» شرحا حسنا جامعا للفوائد، [وهو] مقبول في بلادنا، وشرح أيضا «مشارق الأنوار» للإمام الصاغاني شرحا لطيفا، وشرح «كتاب المنار في الأصول» وله رسالة في علم التصوف تدل على أن له حظّا عظيما من معارف الصوفية. انتهى ملخصا.
وفيها نجم الدّين عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الهاشمي المكّي الشافعي، المعروف بابن فهد الإمام العالم العريق.
توفي في رمضان عن ثلاث وسبعين سنة.
وفيها المولى خسرو محمد بن قرامرز الرّومي الحنفي الإمام العلّامة.
كان والده روميا من أمراء الفراسخة، تشرّف بالإسلام، وكان له بنت زوّجها من أمير آخر مسمى بخسرو، فلما مات كان صاحب الترجمة في حجره، فاشتهر بخسرو، وأخذ العلوم عن برهان الدّين حيدر الرّومي المفتي في البلاد الرّومية، ثم صار مدرسا بمدينة أدرنة بمدرسة شاه ملك، وكان له أخ مدرّس بالمدرسة الحلبية، وتقيد المولى خسرو بأدرنة على المولى يوسف بالي بن شمس الدّين الفناري مدرّس السلطان محمد بمدينة برسا، وكتب المولي خسرو «حواشيه على المطول»
في المدرسة المذكورة، ثم صار مدرّسا بمدرسة أخيه بعد وفاته، ثم صار قاضيا بالعسكر المنصور. ولما جلس السلطان محمد خان على سرير السلطنة ثانيا جعل له كل يوم مائة درهم، ولما فتح قسطنطينية جعل المترجم قاضيا بها بعد وفاة المولى خضر بك، وضم إليه قضاء غلطة، وأسكدار، وتدريس آيا صوفيا. وكان مربوع القامة، عظيم اللّحية، يلبس الثياب الدّنية، وعلى رأسه عمامة صغيرة.
وكان السلطان محمد يجلّه كثيرا ويفتخر به، ويقول لوزرائه: هذا أبو حنيفة زمانه.
وكان متخشعا متواضعا، صاحب أخلاق حميدة، وسكينة ووقار، يخدم بنفسه، مع ماله من العبيد والخدم الذين لا يحصون كثرة.
وكان مع اشتغاله بالمناصب والتداريس يكتب كل يوم ورقتين من كتب السّلف بخط حسن.
وآل به الأمر إلى أن صار مفتيا بالتخت السلطاني، وعظم أمره، وطار ذكره، وعمر عدة مساجد بقسطنطينية.
ومن مصنّفاته «حواش على المطول» و «حواشي التلويح» و «حواش على أول تفسير البيضاوي» و «مرقاة الوصول في علم الأصول» وشرحه، و «الدّرر والغرر» ورسالة في الولاء، و «رسالة متعلقة بتفسير سورة الأنعام» وغير ذلك.
وتوفي بقسطنطينية وحمل إلى مدينة برسا فدفن بها في مدرسته، رحمه الله تعالى.
وفيها المولى محمد بن قطب الدّين الأزنيقي الحنفي الإمام العالم العامل.
قرأ العلوم الشرعية والعقلية على المولى الفناري، وتمهر، وفاق أقرانه، ثم سلك مسلك التصوف، فجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة، وصنّف «شرحا لمفتاح الغيب» للشيخ صدر الدّين القونوي وهو في غاية الحسن، وشرح أيضا «فصوص الصدر القونوي» رحمهما الله تعالى.
وفي حدودها المولى سنان الدّين يوسف المشهور بقراسنان الحنفي الإمام العلّامة.
قال في «الشقائق»: كانت له مهارة في العلوم العربية [والفنون] الأدبية.
صنّف شرحا ل- «مراح الأرواح» في الصرف، وشرحا ل- «الشافية» في الصرف أيضا.
وله «شرح الملخص» للجغميني في علم الهيئة، و «حواش على شرح الوقاية» لصدر الشريعة. انتهى ملخصا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع