من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب ما يحتمل الشعر
اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما قد حُذف واستعمل محذوفا، كما قال العجَّاج:
قَواطِناً مكةَ من وُرْقِ الحَمِى
يريد الحمام. وقال خُفاَف بن نُدْبة السُّلَمىّ:
كنواح ريش حمامة نجديةومسحت بالثتين عصف الإثمد
وكما قال:
دارٌ لسُعْدَى إذْهِ من هَواكا
وقال:
فَطِرتُ بمُنْصُلِى في يَعْمَلاتٍدَوامِى الأَيِد يَخْبِطْنَ السَّريحاَ
وكما قال النَّجاشّي:
فَلَسْت بِآتيهِ وَلاَ أسْتَطِيعُهوَلاَكَ اسْقِنِي إنْ كَانَ مَاؤكَ ذَا فَضْلِ
وكما قال مالك بن خُرَيْمٍ الهمْدانيّ:
فإنْ يَكُ غَثَا أو سَميناً فإنّنىسأَجْعَلُ عينَيْه لنفسه مَقنْعَاَ
وقال الأعشى:
وأخو الغَوانِ متَى يشأ يصرمنهويَعُدْنَ أَعداءً بُعَيْدَ وِدادِ
وربَّما مَدُّوا مثل مَساجد ومَنابر، فيقولون مَساجيد ومنابير، شبّهوه بما جُمع على غير واحدهِ في الكلام، كما قال الفرزدق:
تَنْفِي يَداها الحَصَى في كلَّ هاجرةنَفْىَ الدَّناَنيرِ تَنقادُ الصَّياريفِ
وقد يبلغون بالمعتلّ الأصل فيقولون رداد في رادّ، وضننوا في ضنّوا، ومررتم بجواري قبل. قال قَعْنَبُ بن أمّ صاحب:
مَهْلاً أَعاذِلَ قد جربت من خلقىأنى أجود لأقوام وإن ضَنِنوا
ومن العرب من يثقَّل الكلمةَ إذا وقف عليها ولا يثقِّلها في الوصل، فإذا كان في الشعر فهم يُجرونه في الوصل على حاله في الوقف نحو: سَبْسَبَّا وكَلْكلاّ لأنهم قد يثقلونه في الوقف، فأثبتوه في الوصل كما أثبتوا الحذف في قوله لنفسه مقنعا، وإنما حذفُه في الوقف. قال رؤبة:
ضَخْمٌ يُحِبُّ الخُلُقَ الأَضْخَمَّا
يُروى بكسر الهمزة وفتحها. وقال بعضهم: " الضَّخَمَّا " بكسر الضاد.
وقال أيضاً ي مثله، وهو الشمَّاخ:
له زَجَلٌ كأنهُ صوتُ حادٍإذا طَلب الوَسيقَة أو زَميرُ
وقال حَنظلة بن فاتك:
وأَيْقَنَ أنّ الخيلَ إنْ تَلتبِسْ بهيكنْ لفَسيلِ النّخلِ بعدَهُ آبِرُ
وقال رجلٌ من باهلة:
أو مُعْبَرُ الظّهْرِ يُنْبِي عن وَلِيتهِما حجّ رَبَّهُ في الدنيا ولا اعتمروا
وقال الأعشى:
وما لَهُ من مجدٍ تليدٍ وما لَهُمن الريح حظ لا الجنوب ولا الصبا
وقال:
بيناهُ في دار صدقٍ قد أقام بهاحيناً يُعَلَّلُناَ وما نُعلَّلهُ
ويحتمِلون قُبحَ الكلام حتَّى يضعوه في غير موضعه، لأنه مستقيم ليس فيه نقيض فمن ذلك قوله:
صَددْتِ فأطولتِ الصُّدودَ وقلّماوصال على طُولِ الصُّدود يَدومُ
وإنما الكلام: وقلَّ ما يَدوم وصالٌ.
وجعلوا ما لا يَجرى في الكلام إلاَّ ظرفاً بمنزلة غيره من الأسماء، وذلك قول المَّرار بن سَلاَمة العِجلىّ:
ولا يَنْطِقُ الفحشاءَ مَنْ كْان منهْمإذا جلسوا مِنَّا ولا مِنْ سَوائنا
وقال الأعشى:
وما قَصدتْ من أَهلهَا لسَوائكا
وقال خِطامٌ المُجاشِعىّ:
وصالياتٍ كَكماَ يُؤَثْفَيْنْ
فعلوا ذلك لأَنَّ معنى سَواء معنى غيرٍ، ومعنى الكاف معنى مثل.
وليس شيء يضُطَرّون إليه إلا وهمْ يحاوِلون به وجها. وما يجوز في الشعر أكثر من أن أذكره لك ههنا، لأنّ هذا موضع جُمَلٍ، وسنبيّن ذلك فيما نَستقبِلُ إن شاء الله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع