من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب ما ينتصب من الأسماء التى أُخذت من الأفعالِ انتصابَ الفعل، استفهمتَ أو لم تَستفهم
وذلك قولك: أَقائماً وقد قَعَدَ الناسُ، وأَقاعِداً وقد سار الرَّكْبُ. وكذلك إن أردتَ هذا المعنى ولم تَستفهم، تقول: قاعِداً عَلِمَ اللهُ وقد سار الركبُ، وقائماً قد عَلِمَ اللهُ وقد قَعَدَ الناسُ.
وذلك أنّه رأى رجلاً فى حال قيامٍ أو حال قُعودٍ، فأراد أن ينبَّهه، فكأَنّه لَفَظَ بقوله: أتقومُ قائما وأَتَقُعد قاعدا، ولكنَّه حذف استغناءً بما يرى من الحال، وصار
الاسمُ بدلاً من اللفظ بالفعل، فجرى مجرى المصدر فى هذا الموضع.
ومثل ذلك: عائذاً بالله من شرّها، كأَنَّه رأى شيئاً يُتَّقَى فصار عند نفسه فى حال استعاذةٍ، حتَّى صار بمنزلة الذى رآه فى حال قيامٍ وقُعودٍ، لأنه يَرَى نفسَه فى تلك الحال، فقال: عائذاً " بالله "، كأَنّه قال: أعوذ بالله عائذاً بالله، ولكنَّه حذف الفعل لأنَّه بدلٌ من قوله: أَعوذُ بالله، فصار هذا يَجرى ها هنا مجرى عِياذاً بالله. ومنهم من يقول: عائذٌ بالله من شرّ فلان.
وإذا ذكرتَ شيئاً من هذا الباب فالفعل متّصِلٌ فى حال ذكرِك وأنت تَعمل فى تثبيته لك أو لغيرك فى حال ذكرِك إيّاه، كما كنتَ فى باب حمداً وسَقياً وما أشبهه، إذا ذكرتَ شيئاً منه فى حال تزجيةٍ وإثباتٍ، وأَجريتَ عائذا " بالله " فى الإِضمارِ والبدل مجرى المصدر، كما كان هَنيئاً بمنزلة المصدر فيما ذكرتُ لك.
وقال الشاعر، وهو عبد الله بن الحارث السَّهمىُّ، من أصحاب رسول الله ﷺ:
ألحق عذابك بالقوم الذي طَغَوْاوعائذَا بك أَنْ يَعْلُوا فيُطْغونِى
فكأَنه قال: وعياذاً بك.
ومثله قوله:
أراك جمعتَ مسألة وحرصاًوعند الحق زحاراً أنانا
كأنه قال: " تزحر " زحيراً و " تئن " أَنينا، " ثم وضعه مكان هذا، أى أنت عند الحقّ هكذا ".
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع