تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

باب ما ينتصب فيه الخبر لأنه خبر لمعروف يرتفع على الابتداء، قدمته أو أخرته

وذلك قولك: فيها عبد الله قائما، وعبد الله فيها قائما. فعبد الله ارتفع بالابتداء لأن الذي ذكرت قبله وبعده ليس به، وإنما هو موضعٌ له، ولكنه يجرى مجرى الاسم المبني على ما قبله. ألا ترى أنك لو قلت: فيها عبد الله حسُن السكوت وكان كلاما مستقيما، كما حسن واستُغنى في قولك: هذا عبد الله. وتقول: عبد الله فيها، فيصير كقولك عبد الله أخوك. إلا أن عبد الله يرتفع مقدَّماً كان أو مؤخرا بالابتداء.

ويدلك على ذلك أنك تقول: إن فيها زيدا، فيصير بمنزلة قولك: إن زيدا فيها؛ لأن فيها لما صارت مستقَراً لزيد يستغنى به السكوت وقعَ

موقع الأسماء، كما أن قولك: عبد الله لقيتُه يصير لقيتُه فيه بمنزلة الاسم، كأنك قلت: عبد الله منطلق، فصار قولك فيها كقولك: استقر عبد الله، ثم أردت أن تُخبِر على أية حالٍ استقر فقلت قائما، فقائم حال مستقَرٌّ فيها. وإن شئت ألغيت فيها فقلت: فيها عبد الله قائمٌ. قال النابغة:

فَبِتُّ كَأَنّي ساوَرَتني ضَئيلَةٌمِنَ الرُقشِ في أَنيابِها السُمُّ ناقِعُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقال الهذلى:

لا درَّ درّيَ إنْ أطعمتُ نازلَكمقِرفَ الحَتىِّ وعندى البُرُّ مكنوزُ
للشاعر المتنخل، من قصيدة «لا در دري إن أطعمت نازلكم»

كأنك قلت: البرُّ مكنوزٌ عندي، وعبد الله قائمٌ فيها.

فإذا نصبت القائم ففيها قد حالت بين المبتدإ والقائم واستُغني بها، فعمل المبتدإ حين لم يكن القائم مبنيا عليه، عمل هذا زيدٌ قائما، وإنما تجعل فيها، إذا رفعت القائم، مستقرَّاً للقيام وموضعا له، وكأنك لو قلت: فيها عبد الله، لم يجز عليه السكوت. وهذا يدلك على أن فيها لا يُحدث الرفع أيضا في عبد الله؛ لأنها لو كانت بمنزلة هذا لم تكن لتُلغى، ولو كان عبد الله يرتفع بفيها لارتفع بقولك عبد الله مأخوذٌ؛ لأن الذي يرفع وينصب ما يستغني عليه السكوت وما لا يستغنى، بمنزلة واحدة. ألا ترى أن كان تعمل عمل ضرب، ولو قلت كان عبد الله لم يكن كلاما، ولو قلت ضرب عبد الله كان كلاما.

ومما جاء فى الشعر أيضا مرفوعا قوله، لابن مقبل:

لا سافِرُ النّيّ مدخولٌ ولا هَبِجٌعاري العِظامِ عليه الودْع منظومُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لا سافر الني مدخول ولا هبج»

فجميع ما يكون ظرفا تلغيه إن شئت، لأنه لا يكون آخِراً إلا على ما كان عليه أولا قبل الظرف، ويكون موضع الخبر دون الاسم، فجرى في أحد الوجهين مجرى ما لا يستغنى عليه السكوت، كقولك: فيك زيدٌ راغبٌ فرغبتُه فيه.

ومثل قولك فيها عبد الله قائما: هو لك خالصا، وهو لك خالصٌ؛ كأن قولك هو لك بمنزلة أهبُه لك ثم قلت خالصا. ومن قال فيها عبد الله قائم، قال هو لك خالص، فيصير خالص مبنيا على هو كما كان قائم مبنيا على عبد الله، وفيها لَغوٌ، إلا أنك ذكرت فيها لتبين أين القيام، وكذلك لك إنما أردت أن تبين لمن الخالصُ.

وقد قُرئ هذا الحرف على وجهين: " قُل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةٌ يوم القيامة "، بالرفع والنصب.

وبعض العرب يقول: هو لك الجماء الغفيرُ، يرفع كما يرفع الخالص.

والنصبُ أكثر، لأن لجمّاء الغفير بمنزلة المصدر، فكأنه قال هو لك خُلوصاً. فهذا تمثيلٌ ولا يُتكلم به.

ومما جاء في الشعر قد انتصب خبرُه وهو مقدَّم قبل الظرف، قوله:

إنّ لكمْ أصلَ البِلادِ وفرعَهافالخَيْرُ فيكمْ ثابِتا مَبذولاَ

وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: أتكلم بهذا وأنت ههنا قاعدا.

ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه أمر قول العرب: هو رجلُ صدقٍ معلوما ذاك، وهو رجل صدق معروفا ذاك، وهو رجل صدق بينا ذاك، كأنه قال: هذا رجل صدق معروفا صلاحُه، فصار حالا وقع فيه أمر، لأنك إذا قلت: هو رجل صدقٍ فقد أخبرتَ بأمر واقع، ثم جعلتَ ذلك الوقوع على هذه الحال. ولو رفعتَ كان جائزا على أن تجعله صفة، كأنك قلت: هو رجل معروفُ صلاحُه.

ومثل ذلك: مررت برجل حسنةٍ أمه كريما أبوها، زعم الخليل أنه أخبر عن الحُسن أنه وجبَ لها في هذه الحال. وهو كقولك: مررت برجلٍ ذاهبةٍ فرسُه مكسورا سرجُها، والأول كقولك: هو رجل صدق معروفا صدقه، وإن شئت قلت معروفٌ ذلك ومعلوم ذلك، على قولك: ذاك معروفٌ وذاك معلوم. سمعتُه من الخليل.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.