تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

باب ما يكون الاسم فيه بمنزلة الذي في المعرفة إذا بُني على ما قبله، وبمنزلته في الاحتياج إلى الحشو، ويكون نكرة بمنزلة رجل

وذلك قولك: هذا مَن أعرف منطلقا، وهذا مَن لا أعرف منطلقا، أي هذا الذي علمتُ أني لا أعرفه منطلقا. وهذا ما عندي مَهيناً، وأعرف ولا أعرف وعندي حشوٌ لهما يتمان به، فيصيران اسما كما كان الذي لا يتم إلا بحشوه.

وقال الخليل رحمه الله: إن شئت جعلتَ مَن بمنزلة إنسان وجعلت ما بمنزلة شيء نكرتين، ويصير منطلقٌ صفة لمن ومَهينٌ صفة لمَا. وزعم أن هذا البيت عنده مثل ذلك، وهو قول الأنصارى:

فكَفَى بنا فَضْلاً على مَن غيرِناحبُّ النبيّ محمَّدٍ إيّاناَ
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

ومثل ذلك قول الفرزدق:

إنَّي وإيّاكَ إذْ حَلَّتْ بأرحُلناكَمنْ بِوادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ ممطورِ

وأما هذا ما لديّ عنيد فرفعُه على وجهين: على شيء لدى عنيد، وعلى هذا بعلى شيخٌ.

وقد أدخلوا في قول من قال إنها نكرة فقالوا: هل رأيتم شيئا يكون موصوفا لا يُسكَت عليه؟ فقيل لهم: نعم، يا أيها الرجل. الرجل وصفٌ لقوله يا أيها، ولا يجوز أن يُسكَت على يا أيها. فرُب اسم لا يحسن عليه عندهم السكوت حتى يصفوه وحتى يصير وصفُه عندهم كأنه به يتم الاسم، لأنهم إنما جاءوا بيا أيها ليصلوا إلى نداء الذي فيه الألف واللام، فلذلك جيء به. وكذلك مَن وما إنما يُذكران لحشوهما ولوصفهما، ولم يُرَد بهما خِلوَين شيء، فلزمه الوصف كما لزمه الحشو، وليس لهما بغير حشو ولا وصف معنى، فمن ثم كان الوصف والحشو واحدا.

فالوصف كقولك: مررت بمَن صالحٍ، فصالحٍ وصف. وإن أردتَ الحشو قلت مررت ممن صالحٌ. والحشو لا يكون أبدا لمن وما إلا وهما معرفة. وذلك من قبل أن الحشو إذا صار فيهما أشبهتا الذي، فكما أن الذي لا يكون إلا معرفة لا يكون ما ومَن إذا كان الذي بعدهما حشوا، وهو الصلة، إلا معرفة.

وتقول: هذا مَن أعرف منطلقٌ، فتجعل أعرف صفة. وتقول: هذا مَن أعرف منطلقا، تجعل أعرف صلة. وقد يجوز منطلقٌ على قولك: هذا عبد الله منطلق.

ومثل ذلك الجماء الغفير، فالغفير وصفٌ لازم، وهو توكيد لأن الجماء الغفير مَثَل، فلزم الغفيرُ كما لزم ما في قولك إنك ما وخَيراً.

واعلم أن كفى بنا فضلا على مَن غيرُنا أجود وفيه ضعفٌ إلا أن يكون فيه هو، لأن هو من بعض الصلة، وهو نحو مررت بأيُّهم أفضلُ،

وكما قرأ بعض الناس هذه الآية: " تماما على الذي أحسَنُ ".

واعلم أنه يقبح أن تقول هذا مَن منطلق إذا جعلتَ المنطلق حشوا أو وصفا، فإن أطلتَ الكلام فقلت مَن خيرٌ منك، حسُن في الوصف والحشو.

زعم الخليل رحمه الله أنه سمع من العرب رجلا يقول: ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءا، وما أنا بالذي قائل لك قبيحا. فالوصف بمنزلة الحشو المَحشو لأنه يَحسن بما بعده كما أن الحشو المحشوَّ إنما يتم بما بعده.

ويقوى أيضا أن مَن نكرة، قول عمرو بن قَميئة:

يا رُبَّ مَن يُبغض أذوادَنارُحنَ على بغْضائه واغتدَيْنْ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

ورُبّ لا يكون ما بعدها إلا نكرة. وقال أمية بن أبي الصلت:

رُبّ ما تكره النفوس من الأمرله فَرْجةٌ كحَلّ العِقالِ

وقال آخر:

أَلا رُبّ مَن تغتَشَّهُ لكَ ناصحٍومؤتَمن بالغَيب غيرِ أمينِ

وقال آخر:

ألا رُبّ مَن قَلْبِي له اللهَ ناصحٌومَن هو عندي في الظباء السوانحِ

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.