تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب ما ينتصب لأنه قبيح أن يوصف بما بعده ويبنى على ما قبله

وذلك قولك هذا قائما رجل، وفيها قائما رجلٌ. لما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم وقُبح أن تقول: فيها قائمٌ، فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح مررت بقائم وأتاني قائم، جعلت القائم حالا وكان المبني على الكلام الأول ما بعده.

ولو حسُن أن تقول: فيها قائم لجاز فيها قائم رجلٌ، لا على الصفة، ولكنه كأنه لما قال فيها قائم، قيل له مَن هو؟ وما هو؟ فقال: رجل أو عبد الله. وقد يجوز على ضعفه.

وحُمل هذا النصب على جواز فيها رجلٌ قائما، وصار حين أخر وجه الكلام، فرارا من القبح. قال ذون الرمة:

وتَحْتَ العّوالِى في القَناَ مستِظلةًظِباءٌ أعارتُها العيونَ الجآذرُ

وقال الآخر:

وبالجِسْم مِنِّي بَيِّناً لو علمْتِهشُحوبٌ وإنْ تَستشهِدِى العينَ تشهدِ

وقال كُثيّر: لمَيَّةَ موحِشاً طللُ

وهذا كلامٌ أكثر ما يكون في الشعر وأقل ما يكون في الكلام.

واعلم أنه لا يقال قائما فيها رجلٌ. فإن قال قائل: أجعله بمنزلة راكبا مر زيدٌ، وراكبا مر الرجلُ، قيل له: فإنه مثله في القياس، لأن فيها بمنزلة مر، ولكنهم كرهوا ذلك فيما لم يكن من الفعل، لأن فيها وأخواتها لا يتصرفن تصرف الفعل، وليس بفعل، ولكنهن أنزلن منزلة ما يستغنى به الاسم من الفعل. فأجرِه كما أجرته العرب واستحسنتْ.

ومن ثم صار مررت قائما برجل لا يجوز، لأنه صار قبل العامل في الاسم، وليس بفعل، والعامل الباء. ولو حسن هذا لحسن قائما هذا رجل.

فإن قال: أقول مررت بقائما رجل، فهذا أخبث، من قبل أنه لا يُفصل بين الجار والمجرور، ومن ثم أُسقط رُبّ قائما رجلٍ. فهذا كلام قبيح ضعيف؛ فاعرفْ قبحه، فإن إعرابه يسير. ولو استحسناه لقلنا هو بمنزلة فيها قائما رجل، ولكن معرفة قبحه أمثل من إعرابه.

وأما بك مأخوذٌ زيد فإنه لا يكون إلا رفعا، من قبل أن بك لا تكون مستقرا لرجل. ويدلك على ذلك أنه لا يستغنى عليه السكوت. ولو نصبت هذا لنصبت اليوم منطلقٌ زيدٌ، واليومَ قائمٌ زيد.

وإنما ارتفع هذا لأنه بمنزلة مأخوذ زيد. وتأخير الخبر على الابتداء أقوى، لأنه عاملٌ فيه.

ومثل ذلك: عليك نازلٌ زيد؛ لأنك لو قلت: عليك زيد، وأنت تريد النزول، لم يكن كلاماً.

وتقول: عليك أميرا زيد، لأنه لو قال عليك زيد وهو يريد الإمرةَ كان حسنا. وهذا قليل في الكلام كثير في الشعر، لأنه ليس بفعل. وكلما تقدم كان أضعف له وأبعد، فمن ثم لم يقولوا قائما فيها رجل، ولم يحسن حُسن: فيها قائما رجلٌ.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.