من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
باب يُحذف المستثنى فيه استخفافا
وذلك قولك: ليس غيرُ، وليس إلا، كأنه قال: ليس إلا ذاك
وليس غير ذاك، ولكنهم حذفوا ذلك تخفيفا واكتفاءً بعلم المخاطَب وما يعنى.
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: ما منهم مات حتى رأيتُه في حال كذا وكذا، وإنما يريد ما منهم واحدٌ مات. ومثل ذلك قوله تعالى جده: " وإن مِن أهلِ الكتاب إلا لَيُؤمننّ به قبلَ موته ". ومثل ذلك من الشعر قول النابغة:
كأنك من جِمال بنى أُقَيشٍيقعقَعُ خلفَ رجليْه بشّنِّ
أى كأنك جملٌ من جمال بنى أقيش.
ومثل ذلك أيضا قوله:
لو قلتَ ما فى قومِها لم تيثَمِيَفضُلُها فى حَسبٍ وميسَمِ
يريد: ما في قومها أحد، فحذفوا هذا كما قالوا: لو أن زيدا هنا، وإنما يريدون: لكان كذا وكذا. وقولهم: ليس أحدٌ أي ليس هنا أحدٌ. فكل ذلك حُذف تخفيفا، واستغناء بعلم المخاطَب بما يعني.
ومثل البيتين الأولين قول الشاعر، وهو ابن مُقبل:
وما الدهرُ إلاّ تارتانِ فمنهماأموتُ وأُخرى أَبتغى العيشَ أكدحُ
إنما يريد منهما تارةٌ أموتُ وأُخرى.
ومثل قولهم ليس غير: هذا الذي أمسِ، يريد الذي فعل أمس.
وقوله، وهو العجّاج: بعد اللَّتيّا واللّتيا والتِّي فليس حذف المضاف إليه في كلامهم بأشدّ من حذف تمام الاسم.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع