من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا بابٌ تكون فيه أنَّ بدلا من شيءٍ ليس بالآخر
من ذلك: " وإذ يعدكم الَّله إحدى الطائفتين أنَّها لكم "، فأنَّ مبدلة من إحدى الطَّائفتين، موضوعةٌ في مكانها، كأنك قلت: وإذ يعدكم الَّله إن، ّ إحدى الطائفتين لكم، كما أنَّك إذا قلت: رأيت متاعك بعضه فوق بعض، فقد أبدلت الآخر من الأول، وكأنَّك قلت: رأيت بعض متاعك فوق بعض، كما جاء الأول على معنى وإذ يعدكم الَّله أن إحدى الطائفتين لكم.
ومن ذلك قوله عز وجل: " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنَّهم إليهم لا يرجعون ". فالمعنى والَّله أعلم: ألم يروا أنَّ القرون الذين أهلكناهم إليهم لا يرجعون.
ومما جاء مبدلاً من هذا الباب: " أيعدكم أنَّكم إذا متُّم وكنتم ترابا وعظاما أنَّكم مخرجون "، فكأنه على: أيعدكم أنَّكم مخرجون
إذا متم، وذلك أريد بها، ولكنه إنما قدمت أنَّ الأولى ليعلم بعد أي شيءٍ الإخراج.
ومثل ذلك قولهم: زعم أنه إذا أتاك أنَّه سيفعل، وقد علمت أنه إذا فعل أنّه سيمضي.
ولا يستقيم أن تبتدىء إنَّ ها هنا كما تبتدىء الأسماء أو الفعل، إذا قلت: قد علمت زيداً أبوه خيرٌ منك، وقد رأيت زيداً يقول أبوه ذاك، لأن إنَّ لا تبتدأ في كل موضع، وهذا من تلك المواضع.
وزعم الخليل: أ، ّ مثل ذلك قوله تبارك وتعالى: " ألم يعلموا أنَّه من يحادد اللَّه ورسوله فأن له نار جهنم ". ولو قال: " فإن " كانت عربيه جيدة.
وسمعناهم يقولون في قول ابن مقبلٍ:
وعِلْمِي بأسْدامِ المِياهِ فلم تَزَلْقَلائصُ تَخْدِى في طريقٍ طَلائحُ
وأنَّى إذا ملَّت رِكابي مُناخَهافإنِّي على حظَّي من الأمر جامحُ
وإن جاء في الشعر قد علمت أنك إذا فعلت إنَّك سوف تغتبط به، تريد معنى الفاء جاز. والوجه والحد ما قلت لك أول مرةٍ.
وبلغنا أن الأعرج قرأ: " أنَّه من عمل منكم سوأ بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفورٌ رحيم ". ونظيره ذا البيت الذي أنشدتك.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع