من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب من أبواب أن تكون أن فيه مبنية على ما قبلها
وذلك قولك: أحقاً أنَّك ذاهبٌ، وآلحقَّ أنَّك ذاهبٌ، وكذلك
إن أخبرت فقلت: حقا " ً أنَّك ذاهبٌ. والحق أنك ذاهبٌ وكذلك أأكبر ظنَّك أنك ذاهبٌ، وأجهد رأيك أنَّك ذاهبٌ. وكذلك هما في الخبر.
وسألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقاً إنَّك ذاهبٌ على القلب، كأنَّك قلت: إنَّك ذاهبٌ حقاً، وإنَّك ذاهب الحقَّ، وأنَّك منطلقٌ حقاً؟ فقال: ليس هذا من مواضع إنَّ؛ لأن إنَّ لا يبتدأ بها في كل موضع. ولو جاز هذا لجاز يوم الجمعة، إنك ذاهبٌ، تريد إنك ذاهبٌ يوم الجمعة ولقلت أيضاً لا محالة إنك ذاهبٌ، تريد إنك لا محالة ذاهبٌ، فلما لم يجز ذلك حملوه على: أفي حق أنَّك ذاهبٌ، وعلى: أفي أكبر ظنَّك أنَّك ذاهبٌ، وصارت أنَّ مبنيةً عليه، كما يبنى الرحيل على غدٍ إذا قلت: غداً الرحيل. والدليل على ذلك إنشاد العرب هذا البيت كما أخبرتك.
زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر:
أَحَقَّا بنيِ أبناءِ سَلْمَى بنِ جندلٍتهدُّدكم إيَّاي وَسْطَ المجالس
فزعم الخليل: أنَّ التهدّدها هنا بمنزلة الرحيل بعد غدٍ، وأنَّ أن بمنزلته، وموضعه كموضعه.
ونظير: أحقاً أنَّك ذاهبٌ من أشعار العرب قول العبدي:
أحَقَّا أنَّ جيرتَنا استَقّلوافنيَّتنا ونيَّتهم فَريِقُ
قال: فريق، كما تقول للجماعة: هم صديق. وقال الَّله تعالى جدَّه: " عن اليمين وعن الشَّمال قعيد ". وقال عمر بن أبي ربيعة:
أألحقَّ أنْ دارُ الرَّباب تبَاعدتْأوِ أنبتَّ حَبْلٌ أنَّ قلبكَ طائر
وقال النابغة الجعدي
أَلا أبلغْ بني خلفٍ رسولاًأَحقّاً أنّ أَخْطَلَكم هَجانِي
فكلُّ هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا.
والرفع في جميع ذا حيّد قوي، وذلك أنَّك إن شئت قلت: أحقُّ أنَّك ذاهبٌ، وأأكبر ظنَّك أنك ذاهبٌ، تجعل الآخر هو الأول.
وأما قولهم: لا محالة أنَّك ذاهبٌ، فإنما حملوا أن على أنَّ فيه إضمار من، على قوله: لا محالة من أنَّك ذاهبٌ كما تقول لا بد أنك ذاهبٌ كأنك قلت لا بد من أنك ذاهبٌ حين لم يجز أن يحملوا الكلام على القلب.
وسألته عن قولهم: أما حقاً فإنك ذاهبٌ، فقال: هذا جيد، وهذا الموضع من مواضع إنَّ. ألا ترى أنَّك تقول: أما يوم الجمعة فإنَّك ذاهبٌ وأما فيها فإنَّك داخلٌ. فإنما جاز هذا في أماَّ لأنَّ فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شيء فإنَّك ذاهبٌ.
وأما قوله عز وجل: " لا جرم أنَّ لهم النار " فأنَّ جرم عملت فيها لأنَّها فعلٌ، ومعناها: لقد حقَّ أن لهم النار. ولقد استحق أن لهم النار وقول المفسَّرين: معناها: حقاً أنَّ لهم النار، يدلُّك أنَّها بمنزلة هذا الفعل إذا مثَّلت، فجرم بعد عملت في أنَّ عملها في قول الفزاري:
ولقد طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةًجَرَمتْ فزارةَ بعدها أنْ يَغْضَبُوا
أي: أحقت فزارة.
وزعم الخليل: أنَّ لا جرم إنَّما تكون جواباً لما قبلها من الكلام، يقول الرجل كان كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنَّهم سيندمون أو أنَّه سيكون كذا وكذا.
وتقول: أمّا جهذ رأيي فأنَّك ذاهبٌ؛ لأنَّك لم تصطَّرَّ إلى أن تجعله ظرفاً كما اضطررت في الأول. وهذا من مواضع إنَّ، لأنَّك تقول: أما في رأيي فإنَّك ذاهب، أي فأنت ذاهب، وإن شئت قلت فأنَّك. وهو ضعيف؛ لأنَّك إذا قلت: أما جهد رأيي فإنك عالمٌ لم تضطر إلى أن تجعل الجهد ظرفاً للقصة، لأنَّ ابتداء إنَّ يحسن ها هنا.
وتقول: أما في الدار فإنك قائمُ، لا يجوز فيه إلاَّ إنَّ، تجعل الكلام قصةً وحديثاً، ولم ترد أن تخبر أن في الدار حديثه، ولكنَّك أردت أن تقول: أما في الدار فأنت قائمٌ فمن ثم لم يعمل في أي شيء أردت أن تقول. أما في الدار فحديثك وخبرك قلت: أما في الدار فأنك منطلقٌ، أي هذه القصَّة.
ويقول الرجل: ما اليوم؟ فتقول: اليوم أنَّك مرتحلٌ، كأنَّه قال: في اليوم رحلتك. وعلى هذا الحد تقول: أما اليوم فأنَّك مرتحلٌ.
وأما قولهم: أما بعد فإنّ الَّله قال في كتابة، فإنه منزلة قولك: أما اليوم فإنَّك، ولا تكون بعد أبداً مبنياً عليها إذا لم تكن مضافةً ولا مبنية على شيء، إنَّما تكون لغوا.
وسألته عن شدَّ ما أنَّك ذاهٌب، وعزَّ ما أنَّك ذاهبٌ، فقال: هذا بمنزلة حقاً أنك ذاهٌب، كما تقول: أما أنك ذاهبٌ، بمنزلة حقاً أنَّك ذاهبٌ. ولو بمنزلة لولا، ولا تبتدأ بعدها الأسماء سوى أنَّ، نحو لو أنك ذاهبٌ. ولولا تبتدأ
بعدها الأسماء، ولو بمنزلة لولا، وإن لم يجز فيها ما يجوز فيما يشبهها. تقول: لو أنه ذهب لفعلت. وقال عز وجل: " لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربيّ ". وإن شئت جعلت شدَّما وعزَّما كنعم ما، كأنك قلت: نعم العمل أنك تقول الحقَّ.
وسألته عن قوله: كما أنه لا يعلم ذلك فتجاوز الَّله عنه، وهذا حقُّ كما أنّك ها هنا، فزعم أن العاملة في أنَّ الكاف وما لغو، إلا أن ما لا تحذف من ها هنا كراهية أن يجيء لفظها مثل لفظ كأنَّ، كما ألزموا النون لأفعلنَّ، واللام قولهم إن كان ليفعل، كراهية أن يلتبس اللفظان.
ويدلّلك على أن الكاف هي العاملة قولهم: هذا حقُّ مثل ما أنّك ها هنا. وبعض العرب يرفع فيما حدَّثنا يونس، وزعم أنه يقول أيضاً: " إنَّه لحقُّ مثل ما أنَّكم تنطقون "، فلولا أنَّ ما لغوٌ لم يرتفع مثل، وإن نصبت مثل فما أيضاً لغوٌ، لأنَّك تقول: مثل أنك ها هنا. وإن جاءت ما مسقطةً من الكاف في الشعر جاز، كما قال النابغة الجعدي:
قُرُومٍ تَسامَى عِندَ بابٍ دِفاعُهُكَأَن يُؤخَذُ المَرءُ الكَرِيمُ فَيُقتَلا
فما لا تحذف ها هنا كما لا تحذف في الكلام من أنَّ، ولكنه جاز في الشعر، كما حذفت ماالتي في إما كقوله:
وإن من خريف فلن يعدما
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع