تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب أم منقطعةً

وذلك قولك: أعمروٌ عندك أم عندك زيدٌ، فهذا ليس بمنزلة: أيهَّما عندك. ألا ترى أنك لو قلت: أيهما عندك عندك، لم يستقم إلاَّ على التكرير والتوكيد.

ويدلك على أن هذا الآخر منقطعٌ من الأول قول الرجل: إنِّها لإبلٌ ثم يقول: أم شاءٌ يا قوم. فكما جاءت أم ههنا بعد الخبر منقطعةً، كذلك تجيء بعد الاستفهام، وذلك أنه حين قال: أعمروٌ عندك فقد ظنَّ أنَّه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظن في زيد بعد أن استغنى كلامه، وكذلك: إنها لإبلٌ أم شاءٌ، إنما أدركه الشك حيث مضى كلامه على اليقين.

وبمنزلة أم ههنا قوله عز وجل: " آلم تنزيل الكتاب

لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه "، فجاء هذا الكلام على كلام العرب قد علم تبارك وتعالى وذلك من قولهم، ولكن هذا على كلام العرب ليعرَّفوا ضلالتهم.

ومثل ذلك: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين، كأنَّ فرعون قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء. فقوله: أم أنا خيرٌ من هذا، بمنزلة: أم أنتم بصراء؛ لأنهم لو قالوا: أنت خيرٌ منه كان بمنزلة قولهم: نحن بصراء عنده وكذلك: أم أنا خيرٌ بمنزلته لو قال: أم أنتم بصراء.

ومثل ذلك قوله تعالى: " أم اتَّخذ ممَّا يخلق بناتٍ وأصفاكم بالبنين ". فقد علم النبي ﷺ والمسلمون: أن الله عز وجل لم يتخَّذ ولداً، ولكنه جاء حرف الاستفهام ليبصَّروا ضلالتهم. ألا ترى أن الرجل يقول للرجل: آلسعادة أحب إليك أم الشقاء؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه من الشقاء، وأن المسئول سيقول: السعادة، ولكنَّه أراد أن يبصر صاحبه وأن يعلمه.

ومن ذلك أيضاً: أعندك زيدٌ أم لا، كأنه حيث قال: أعندك زيدٌ، كان يظن أنه عنده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا.

وزعم الخليل أنّ قول الأخطل:

كذبتك عنك أم رأيتَ بواسطٍغَلَسَ الظّلامِ من الرَّباب خَيالاَ

كقولك: إنَّها لإبلٌ أم شاءٌ. ومثل ذلك قول الشاعر، وهو كثَّير عزة:

أليس أبِي بالَّنضر أم ليس والِدِيلكل نَجيبٍ من خُزاعةَ أزْهَرَا

ويجوز في الشعر أن يريد بكذبتك الاستفهام ويحذف الألف. قال التميمي، وهو الأسود بن يعفر:

لَعَمْرُك ما أدْرِي وإن كنتُ دارياًشُعَيْثُ بن سهمٍ أم شُعَيْثُ بن مِنْقَر
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «لعمرك ما أدري وإن كنتُ داريا»

وقال عمر بن أبي ربيعة:

لَعَمْرُك ما أدَرِي وإنْ كنتُ دارياًبسبعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بَثمانِ

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.