من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا بابٌ من أبواب أن التي تكون والفعل بمنزلة مصدر
تقول: أن تأتيني خيرٌ لك، كأنك قلت: الإتيان خيرٌ لك. ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى: " وأن تصوموا خيرٌ لكم "، يعني الصوم خيرٌ لكم.
وقال الشاعر، عبد الرحمن بن حسان:
إنّي رأيتُ من المكارمِ حَسْبَكمأنْ تَلْبَسوا حرَّ الثياب وتشبعوا
كأنه قال: رأيت حسبكم لبس الثياب.
واعلم أن اللام ونحوها من حروف الجر قد تحذف من أن كما حذفت من أنَّ، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: فعلت ذاك حذر الشرِّ، أي لحذر الشر. ويكون مجروراً على التفسير الآخر.
ومثل ذلك قولك: إنما انقطع إليك أن تكرمه، أي: لأن تكرمه.
ومثل ذلك قولك: لا تفعل كذا وكذا أن يصيبك أمر تكرهه، كأنه قال: لأن يصيبك أو من أجل أن يصيبك. وقال عز وجل: " أن تضلَّ إحداهما "، وقال تعالى: " أأن كان ذا مالٍ وبنين " كأنه قال: ألأن كان ذا مال وبنين. وقال الأعشى:
أأنْ رأت رجلا أَعْشَى أضربَّهريبُ المنونِ ودهرٌ مفسدٌ خَبِلُ
فأن هاهنا حالها في حذف حرف الجر كحال أنَّ، وتفسيرها كتفسيرها، وهي مع صلتها بمنزلة المصدر.
ومن ذلك أيضاً قوله: ائتني بعد أن يقع الأمر، وأتاني بعد أن وقع الأمر، كأنَّه قال: بعد وقوع الأمر.
ومن ذلك قوله: أما أن أسير إلى الشأم فما أكرهه، وأمّا أن أقيم فإن فيه أجراً، كأنه قال: أما السيرورة فما أكرهها، وأما الإقامة فلي فيها أجرٌ.
وتقول: لا يلبث أن يأتيك، أي لا يلبث عن إتيانك. وقال تعالى: " فما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا "، فأن محمولة على كان، كأنَّه قال: فما كان جواب قومه إلا قول كذا وكذا. وإن شئت رفعت الجواب فكانت أن منصوبةً.
وتقول: ما منعك أن تأتينا، أراد من إتياننا. فهذا على حذف حرف الجر.
وفيه ما يجيء محمولاً على ما يرفع وينصب من الأفعال، تقول: قد خفت أن تفعل، وسمعت عربياً يقول: أنعم أن تشدَّه، أي بالغ في أن يكون ذلك هذا المعنى، وأن محمولة على أنعم. وقال جل ذكره: " بئسما اشتروا به أنفسهم "، ثم قال: أن يكفروا على التفسير، كأنه قيل له ما هو؟ فقال: هو أن يكفروا.
وتقول: إني مما أن أفعل ذاك، كأنه قال: إني من الأمر أو من الشأن أن أفعل ذاك، فوقعت ما هذا الموقع، كما تقول العرب: بئسما له، يريدون بئس الشيء ماله.
وتقول: ائتني بعد ما تقول ذاك القول، كأنك قلت: ائتني بعد قولك ذاك القول، كما أنك إذا قلت بعد أن تقول فإنما تريد ذاك، ولو كانت بعد مع ما بمنزلة كلمةٍ واحدة لم تقل: ائتني من بعد ما تقول ذاك القول، ولكانت الدال على حالٍ واحدة.
وإن شئت قلت: إني مما أفعل، فتكون ما مع من بمنزلة كلمة واحدة نحو ربمَّا. قال أبو حيّة النميّري:
وإنّا لممَّا نَضربُ الكَبْشَ ضَربةًعلى رأسه تُلقِي اللسانَ من الفَمِ
وتقول إذا أضفت إلى الأسماء: إنه أهل أن يفعل، ومخافة أن يفعل، وإن شئت قلت: إنه أهلٌ أن يفعل، ومخافةً أن يفعل، كأنك قلت: إنه أهلٌ لأن يفعل، ومخافةً لأن يفعل. وهذه الإضافة كإضافتهم بعض الأشياء إلى أن. قال:
تَظَلُّ الشمسُ كاسِفةً عليهكآبةَ أنّها فَقَدتْ عَقيلا
وتقول: أنت أهلٌ أن تفعل، أهلٌ عاملة في أن، كأنك قلت: أنت مستحقٌ أن تفعل. وسمعنا فصحاء العرب يقولون: لحق أنه ذاهبٌ، فيضيفون، كأنه قال: ليقين أنه ذاهبٌ، أي ليقين ذاك أمرك. وليست في كلام كل العرب.
وتقول: إنه خليقٌ لأن يفعل، وإنه خليقٌ أن يفعل، على الحذف.
وتقول: عسيت أن تفعل، فأن هاهنا بمنزلتها في قولك: قاربت أن تفعل، أي: قاربت ذاك، وبمنزلة: دنوت أن تفعل.
واخلو لقت السماء أن تمطر، أي: لأن تمطر. وعسيت بمنزلة اخلولقت السماء.
ولا يستعملون المصدر هنا كما لم يستعملوا الاسم الذي الفعل في موضعه كقولك: اذهب بذي تسلم، ولا يقولون: عسيت الفعل، ولا عسيت للفعل.
وتقول: عسى أن يفعل، وعسى أن يفعلوا، وعسى أن يفعلا وعسى محمولة عليها أن، كما تقول: دنا أن يفعلوا، وكما قالوا: اخلولقت السماء أن تمطر، وكلَّ ذلك تكلَّم به عامة العرب.
وكينونة عسى للواحد والجميع والمؤنثَّ تدلك على ذلك. ومن العرب من يقول: عسى وعسيا وعسوا، وعست وعستا وعسين. فمن قال ذلك كانت أن فيهن بمنزلتها في أنَّها منصوبة.
واعلم أنَّهم لم يستعملوا عسى فعلك، استغنوا بأن تفعل عن ذلك، كما استغنى أكثر العرب بعسى عن أن يقولوا: عسيا وعسوا، وبلو أنه ذاهبٌ عن لو ذهابه. ومع هذا أنَّهم لم يستعملوا المصدر في هذا الباب، كما لم يستعملوا الاسم الذي في موضعه يفعل في عسى وكاد، فترك هذا لأنَّ من كلامهم الاستغناء بالشيء عن الشيء.
واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها بكاد يفعل، فيفعل حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قوله: عسى الغوير أبؤساً. فهذا مثل من أمثال العرب أجروا فيه عسى محرى كان. قال هدبة:
عَسَى الكَرْبُ الذي أمسيَتُ فيهيكَونُ وراءه فرجٌ قريب
وقال:
عسى اّلله يغنى بلاد ابن قادرٍبمنهمرٍ جون الرَّباب سكوب
وقال:
فأمّا كيَّسٌ فنَجا ولكنْعَسَى يَغْتَرُّ بي حمقٌ لَئيمُ
وأما كاد فإنَّهم لا يذكرون فيها أن، وكذلك كرب يفعل، ومعناهما واحد. يقولون: كرب يفعل، وكاد يفعل ولا يذكرون الأسماء في موضع هذه الأفعال لما ذكرت لك في الكراسة التي تليها.
ومثله: جعل يقول، لا تذكر الاسم ههنا. ومثله أخذ يقول، فالفعل ههنا بمنزلة الفعل في كان إذا قلت: كان يقول، وهو في موضع اسم منصوب بمنزلته ثمَّ، وهو ثمَّ خبرٌ كما أنه ههنا خبر، إلاَّ أنَّك لا تستعمل الاسم، فأخلصوا هذه الحروف للأفعال كما خلصت حروف الاستفهام للأفعال نحو: هلاَّ وألاَّ.
وقد جاء في الشعر كاد أن يفعل، شبهوه بعسى. قال رؤبة:
قد كادَ مِن طُولِ البِلىَ أنْ يَمْصَحَا
والمحص مثله.
وقد يجوز في الشعر أيضاً لعلِّى أن أفعل، بمنزلة عسيت أن أفعل.
وتقول: يوشك أن تجيء، وأن محمولة على يوشك. وتقول: توشك أن تجيء، فأن في موضع نصب، كأنك قلت: قاربت أن تفعل.
وقد يجوز يوشك يجيء، بمنزلة عسى يجيء، وقال أمية بن أبي الصَّلت:
يوشِكُ مَن فرَّ من مَنيّتِهفي بعض غِرّاتِه يُوافِقُهَا
وهذه الحروف التي هي لتقريب الأمور شبيهةٌ بعضها ببعض، ولها نحوٌ ليس لغيرها من الأفعال.
وسألته عن معنى قوله: أريد لأن أفعل، إنَّما يريد أن يقول إرادتي لهذا، كما قال عز وجل: " وأمرت لأن أكون أوَّل المسلمين " إنما هو أمرت لهذا.
وسألت الخليل عن قول الفرزدق:
أَتَغَضبُ إنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حزَّتاجِهاراً ولم تَغْضَبِ لقَتْلِ ابن خازِمِ
فقال: لأنه قبيح أن تفصل بين أن والفعل، كما قبح أن تفصل بين كي
والفعل، فلما قبح ذلك ولم يجز حمل على إن، لأنَّه قد تقدم فيها الأسماء قبل الأفعال.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع