من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
الفصل العشرون في اختصاص بعض الأمصار ببعض الصنائع دون بعض
وذلك أنّه من البيّن أنّ أعمال أهل المصر يستدعي بعضها بعضا لما في طبيعة العمران من التّعاون وما يستدعي من الأعمال يختصّ ببعض أهل المصر فيقومون عليه ويستبصرون في صناعته ويختصّون بوظيفته ويجعلون معاشهم فيه ورزقهم منه لعموم البلوى به في المصر والحاجة إليه. وما لا تستدعي في المصر يكون غفلا إذ لا فائدة لمنتحله في الاحتراف به. وما يستدعي من ذلك لضرورة المعاش فيوجد في كلّ مصر كالخيّاط والحدّاد والنّجّار وأمثالها وما يستدعي لعوائد التّرف وأحواله فإنّما يوجد في المدن المستبحرة في العمارة الآخذة في عوائد التّرف والحضارة مثل الزّجّاج والصّائغ والدّهّان والطّبّاخ والصّفّار والسّفّاج والفرّاش والذّبّاح وأمثال هذه وهي متفاوتة. وبقدر ما تزيد الحضارة وتستدعي أحوال التّرف تحدث صنائع لذلك النّوع فتوجد بذلك المصر دون غيره ومن هذا الباب الحمّامات لأنّها إنّما توجد في الأمصار المستحضرة المستبحرة العمران لما يدعو إليه التّرف والغنى من التّنعّم ولذلك لا تكون في المدن المتوسّطة. وإن نزع بعض الملوك والرّؤساء إليها فيختطّها ويجري أحوالها. إلّا أنّها إذا لم تكن لها داعية من كافّة النّاس فسرعان ما تهجر وتخرب وتفرّ عنها القومة لقلّة فائدتهم ومعاشهم منها. والله يقبض ويبسط.
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع