تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الفصل الحادي والعشرون في وجود العصبية في الأمصار وتغلب بعضهم على بعض

من البيّن أنّ الالتحام والاتّصال موجود في طباع البشر وإن لم يكونوا أهل نسب واحد إلّا أنّه كما قدّمناه أضعف ممّا يكون بالنّسب وأنّه تحصل به العصبيّة

بعضا ممّا تحصل بالنّسب. وأهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصّهر يجذب بعضهم بعضا إلى أن يكونوا لحما لحما وقرابة قرابة وتجد بينهم من العداوة والصّداقة ما يكون بين القبائل والعشائر مثله فيفترقون شيعا وعصائب فإذا نزل الهرم بالدّولة وتقلّص ظلّ الدّولة عن القاصية احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم والنّظر في حماية بلدهم ورجعوا إلى الشّورى وتميّز العلية عن السّفلة والنّفوس بطباعها متطاولة إلى الغلب والرّئاسة فتطمح المشيخة لخلاء الجوّ من السّلطان والدّولة القاهرة إلى الاستبداد وينازع كلّ صاحبه ويستوصلون بالأتباع من الموالي والشّيع والأحلاف ويبذلون ما في أيديهم للأوغاد والأوشاب فيعصوصب كلّ لصاحبه ويتعيّن الغلب لبعضهم فيعطف على أكفائه ليقصّ من أعنّتهم ويتتبّعهم بالقتل أو التّغريب حتّى يخضد منهم الشّوكات النّافذة ويقلّم الأظفار الخادشة ويستبدّ بمصره أجمع ويرى أنّه قد استحدث ملكا يورثه عقبه فيحدث في ذلك الملك الأصغر ما يحدث في الملك الأعظم من عوارض الجدّة والهرم وربّما يسمو بعض هؤلاء إلى منازع الملوك الأعاظم أصحاب القبائل والعشائر والعصبيّات والزّحوف والحروب والأقطار والممالك فينتحلون بها من الجلوس على السّرير واتّخاذ الآلة وإعداد المواكب للسّير في أقطار البلد والتّختّم والتّحيّة والخطاب بالتّهويل ما يسخر منه من يشاهد أحوالهم لما انتحلوه من شارات الملك الّتي ليسوا لها بأهل. إنّما دفعهم إلى ذلك تقلّص الدّولة والتحام بعض القرابات حتّى صارت عصبيّة. وقد يتنزّه بعضهم عن ذلك ويجري على مذهب السّذاجة فرارا من التّعريض بنفسه للسّخريّة والعبث. وقد وقع هذا بإفريقيّة لهذا العهد في آخر الدّولة الحفصيّة لأهل بلاد الجريد من طرابلس وقابس وتؤزّر ونفطة وقفصة وبسكرة والزّاب وما إلى ذلك. سموا إلى مثلها عند

تقلّص ظلّ الدّولة عنهم منذ عقود من السّنين فاستغلبوا على أمصارهم واستبدّوا بأمرها على الدّولة في الأحكام والجباية. وأعطوا طاعة معروفة وصفقة ممرّضة وأقطعوها جانبا من الملاينة والملاطفة والانقياد وهم بمعزل عنه. وأورثوا ذلك أعقابهم لهذا العهد. وحدث في خلفهم من الغلظة والتّجبّر ما يحدث لأعقاب الملوك وخلفهم ونظّموا أنفسهم في عداد السّلاطين على قرب عهدهم بالسّوقة حتّى محا ذلك مولانا أمير المؤمنين أبو العبّاس وانتزع ما كان بأيديهم من ذلك كما نذكره في أخبار الدّولة. وقد كان مثل ذلك وقع في آخر الدّولة الصّنهاجيّة واستقلّ بأمصار الجريد أهلها واستبدّوا على الدّولة حتّى انتزع ذلك منهم شيخ الموحّدين وملكهم عبد المؤمن بن عليّ ونقلهم من إماراتهم بها إلى المغرب ومحا من تلك البلاد آثارهم كما نذكر في أخباره. وكذا وقع بسبتة لآخر دولة بني عبد المؤمن.

وهذا التّغلّب يكون غالبا في أهل السّروات والبيوتات المرشّحين للمشيخة والرّئاسة في المصر، وقد يحدث التّغلّب لبعض السّفلة من الغوغاء والدّهماء. وإذا حصلت له العصبيّة والالتحام بالأوغاد لأسباب يجرّها له المقدار فيتغلّب على المشيخة والعلية إذا كانوا فاقدين للعصابة والله سبحانه وتعالى غالب على أمره.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الرابع من الكتاب الأول في البلدان والأمصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه سوابق ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.