تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الفصل الثاني والعشرون في لغات أهل الأمصار

اعلم أنّ لغات أهل الأمصار إنّما تكون بلسان الأمّة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطّين لها ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلاميّة كلّها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربيّة وإن كان اللّسان العربيّ المضريّ قد فسدت ملكته وتغيّر إعرابه والسّبب في ذلك ما وقع للدّولة الإسلاميّة من الغلب على الأمم والدّين والملّة صورة

للوجود وللملك. وكلّها موادّ له والصّورة مقدّمة على المادّة والدّين إنّما يستفاد من الشّريعة وهي بلسان العرب لما أنّ النّبيّ ﷺ عربيّ فوجب هجر ما سوى اللّسان العربيّ من الألسن في جميع ممالكها. واعتبر ذلك في نهي عمر رضي الله عنه عن بطانة الأعاجم وقال إنّها خبّ. أي مكر وخديعة. فلمّا هجر الدّين اللّغات الأعجميّة وكان لسان القائمين بالدّولة الإسلاميّة عربيّا هجرت كلّها في جميع ممالكها لأنّ النّاس تبع للسّلطان وعلى دينه فصار استعمال اللّسان العربيّ من شعائر الإسلام وطاعة العرب. وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك. وصار اللّسان العربيّ لسانهم حتّى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم وصارت الألسنة العجميّة دخيلة فيها وغريبة. ثمّ فسد اللّسان العربيّ بمخالطتها في بعض أحكامه وتغيّر أواخره وإن كان بقي في الدّلالات على أصله وسمّي لسانا حضريّا في جميع أمصار الإسلام. وأيضا فأكثر أهل الأمصار في الملّة لهذا العهد من أعقاب العرب المالكين لها، الهالكين في ترفها بما كثّروا العجم الّذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم. واللّغات متوارثة فبقيت لغة الأعقاب على حيال لغة الآباء وإن فسدت أحكامها بمخالطة الأعجام شيئا فشيئا. وسمّيت لغتهم حضريّة منسوبة إلى أهل الحواضر والأمصار بخلاف لغة البدو من العرب فإنّها كانت أعرق في العروبيّة ولمّا تملّك العجم من الدّيلم والسّلجوقيّة بعدهم بالمشرق، وزناتة والبربر بالمغرب، وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلاميّة فسد اللّسان العربيّ لذلك وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسّنّة اللّذين بهما حفظ الدّين وسار ذلك مرجّحا لبقاء اللّغة العربيّة المضريّة من الشّعر والكلام إلّا قليلا بالأمصار فلمّا ملك التّتر والمغول بالمشرق ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك المرجّح وفسدت اللّغة العربيّة على الإطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلاميّة بالعراق وخراسان

وبلاد فارس وأرض الهند والسّند وما وراء النّهر وبلاد الشّمال وبلاد الرّوم وذهبت أساليب اللّغة العربيّة من الشّعر والكلام إلّا قليلا يقع تعليمه صناعيّا بالقوانين المتدارسة من كلام العرب وحفظ كلامهم لمن يسّره الله تعالى لذلك. وربّما بقيت اللّغة العربيّة المضريّة بمصر والشّام والأندلس وبالمغرب لبقاء الدّين طلبا لها فانحفظت ببعض الشّيء وأمّا في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولا عين حتّى إنّ كتب العلوم صارت تكتب باللّسان العجميّ وكذا تدريسه في المجالس والله أعلم بالصّواب. والله مقدّر اللّيل والنّهار. صلى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدّين والحمد للَّه ربّ العالمين.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الرابع من الكتاب الأول في البلدان والأمصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه سوابق ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.