من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
مطلب امتداح أبي العتاهية لعمر بن العلاء وحسد الشعراء له عَلَى ما أعطاه من جائزة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن خلف، قَالَ: حَدَّثَنَا إسحاق بن محمد النخعي، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن سهل، قَالَ: حَدَّثَنِي المدائني، قَالَ: امتدح أَبُو العتاهية عمر بن العلاء مولى عمرو ابن حريث صاحب المهدي، فأمر له بسبعين ألف درهم، وأمر من حضره من خدمه وغلمانه أن يخلعوا عليه، فخلعوا عليه حتى لم يقدر عَلَى القيام لما عليه من الثياب، ثم إن جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر، فقَالَ بعضهم: يا عجباً للأمير، يعطى أبا العتاهية سبعين ألف درهم! فبلغ ذلك عمر فقَالَ: عَلَى بهم، فأدخلوا عليه، فقَالَ: ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء! إن أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيشبّب فِي قصيدته بصديقته بخمسين بيتاً، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتانا أَبُو العتاهية فشبّب ببيتين ثم قَالَ:
إني أمنت من الزمان وريبهلما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلالهلحذوا له حرّ الوجوه نعالا يوما
ما كان هذا الجود حتى كنت ياعمرا ولو نزول لزالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنهاقطعتك إليك سباسباً ورمالا
فإذا أتين بنا أتين مخفّةًوإذا رجعن بنا رجعن ثقالا
فقَالَ له عمر حين مدحه: أقم حتى أنظر فِي أمرك، فأقام أياماً ولم ير شيئاً، وكان عمر ما لا يجيء من وجه فأبطأ عليه، فكتب إليه أَبُو العتاهية:
يا بن العلاء ويا بن القوم مرداسإني امتدحتك فِي صحبي وجلاسي
أثني عليك ولي حال تكذبنيفيما أقول فأستحي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفدطأطأت من سوء حال عندها راسي
فقَالَ عمر لحاجبه: اكفنيه أياماً، فقَالَ له الحاجب كلاماً دفعه به، وقَالَ له: تنتظر، فكتب إليه أَبُو العتاهية:
أصابت علينا جودك العين يا عمرفنحن لها نبغي التمائم والنّشر
أصابتك عين فِي سخائك صلبةٌ ويارب عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملّها فإنلم تفق منها رقيناك بالسّور
قَالَ: فضحك عمر، وقَالَ لصاحب بيت ماله: كم عندك؟ قَالَ: سبعون ألف درهم.
قَالَ: ادفعها إليه، ويقَالَ: إنه قَالَ له: اعذرني عنده ولا تدخله عَلَى فإني أستحي منه قَالَ الأصمعى: من أمثال العرب: العبد من لا عبد له أي من لم يكن له عبد ولا كافٍ امتهن نفسه.
ويقَالَ لو كويت عَلَى داء لم أكره أي لو عوتبت عَلَى ذنب ما امتعضت.
ويقَالَ: كمبتغي الصيد فِي عرّيسة الأسد يضرب مثلاً للرجل يطلب الغنيمة فِي موضع الهلكة.
ويقَالَ: أجود من لا فظة وأراد بلا فظة البحر.
ويقَالَ: أجبن من صافر وأراد بصافر: ما يصفر من الطير، وإنما يوصف بالجبن لأنه ليس من سباعها.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد قول الراجز:
قد علمت من لم أجد معينالأخلطنّ بالخلوق طينا
يقول: قد علمت إن لم أجد معينا يعينني عَلَى سقيها، سأستعين بها وأستعملها حتى يختلط ما عليها من الخلوق بالطين والماء
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع