من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
حديث أسيد بن عنقاء الفزاري، وما كان من مواساة عميلة الفزاري له وما مدحه به
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن شقير النحوي فِي منزله فِي غلة صافي ونحن يومئذ نقرأ عليه كتب الواقدي فِي المغازي وكان يرويها، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنِ الواقدي، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن عبيد بن ناصح، قَالَ: كان أسيد ابن عنقاء الفزاري من أكثر أهل زمانه وأشدهم عارضة ولساناً، فطال عمره، ونكبه دهره، واختلت حالته، فخرج عشية يتبقّل لأهله، فمر به عميلة الفزاري فسلم عليه وقَالَ: يا عم، ما أصارك إِلَى ما أرى من حالك؟ فقَالَ: بخل مثلك بماله، وصوني وجهي عَنْ مسألة الناس، فقَالَ: والله لئن بقيت إِلَى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فرجع ابن عنقاء إِلَى أهله فأخبرها بما قَالَ له عميلة، فقَالَت له: لقد غرك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجراً فبات متململاً بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء، وصهيل الخيل، ولجب الأموال فقَالَ: ما هذا؟ فقالوا: هذا عميلة ساق إليك ماله، قَالَ: فاستخرج ابن عنقاء ثم قسم ماله شطرين وساهمه عليه، فأنشأ ابن عنقاء، يقول:
رآني عَلَى ما بي عميلة فاشتكىإِلَى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم عَلَى حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعلهوأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابهتردّى رداء سابغ الذيل وأتزر
غلام رماه الله بالخير مقبلاً لهسيمياء لا تشق عَلَى البصر
كأن الثريا علقت فوق نحرهوفي أنفه الشعرى وفي خده القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنهذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
وأنشدنا أَبُو عبد الله، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، عَنِ أبن الأعرابى:
كريم يغض الطرف فضل حيانهويدنو وأطراف الرماح دواني
وكالسيف إن لاينته لان متنهوحدّاه إن خاشنته خشنان
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد:
يشبهون ملوكاً فِي تجلتهموطول أنضية الأعناق والأمم
إذا غدا المسك يجري فِي مفارقهمراحوا كأنهم مرضى من الكرم
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: انشدنا أحمد بن يحيى:
تخالهم للحلم صماً عَنِ الخناوخرساً عَنِ الفحشاء عند التهاتر
ومرضى إذا لاقوا حياءً وعفةًوعند الحروب كالليوث الخوادر
لهم ذل إنصاف ولين تواضعبهم ولهم ذلت رقاب المعاشر
كأن بهم وصماً يخافون عارهوما وصمهم إلا اتقاء المعاير
وأنشدنا أيضاً عَنْ أبي العباس:
أحلام عاد لا يخاف جليسهم إذانطقوا العوراء غرب لسان
إذا حدثوا لم تخش سوء استماعهموإن حدثوا أدوا بحسن بيان
وأنشدنا أيضاً قَالَ: أنشدني أبي:
يصمّ عَنِ الفحشاء حتى كأنه إذاذكرت فِي مجلس القوم غائب
له حاجب عَنْ كل ما يصم الفتىوليس له عَنْ طالب العرف حاجب
وأنشدنا أيضاً قَالَ: أنشدنا أَبِي بَكْرِ بن النطاح يمدح خربان بن عيسى، قَالَ: وكان أَبُو عبيدة يقول: لم أسمع لهؤلاء المحدثين مثل هذا:
لم ينقطع أحد إليك بودهإلا اتقته نوائب الحدثان
كل السيوف يرى لسيفك هيبةوتخافك الأرواح فِي الأبدان
قَالَت معدّ والقبائل كلّها إنالمنية فِي يدي خربان
ملك إذا أخذ القناة بكفهوثقت بشدة ساعد وبنان
وقرأت عَلَى أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عَنْ أبيه للأسدي: ولائمة لامتك يا فيض فِي الندى فقلت لها هل يقدح اللّوم فِي البحر أرادت لتثنى الفيض عَنْ ومن ذا الذي يثنى السحاب عادة الندي عَنِ القطر مواقع جود الفيض فِي كل بلدة مواقع ماء المزن فِي البلد القفر
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبيه، عَنْ يونس، عَنْ أبى عمرو بن العلاء، قَالَ: لما توج النعمان واطمأن به سريره، دخل عليه الناس وفيهم أعرابي فأنشأ يقول:
إذا سست قوماً فاجعل الجود بينهموبينك تأمن كل ما تتخوف
فإن كشفت عند الملمات عورةكفاك لباس الجود ما يتكشف
فقَالَ: مقبول منك نصحك، ممن أنت؟ قَالَ: انا رجل من جرم، فأمر له بمائة ناقة، وهي أول جائزة أجازها
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وأنشدناه أَبُو عبد الله نفطويه، عَنْ أحمد بن يحيى، عَنِ أبن الأعرابى، لقيس ابن عاصم المنقري:
إني امرؤ لا يعتري حسبيدنس يفنده ولا أفن
من منقر فِي بيت مكرمةوالفرع ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهمبيض الوجوه مصاقع لسن
لا يفطنون لعيب جارهموهم لحفظ جواره فطن
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنْ أبي عبيدة، للعرندس أحد بني بكر بن كلاب يمدح بني عمرو الغنويين، قَالَ: وكان الأصمعيّ، يقول: هذا المحال، كلابيّ يمدح غنوياً:
هينون لينون أيسار ذوو كرمسواس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا الخير يعطوه وإن خبروافِي الجهد أدرك منهم طيب أخبار
فيهم ومنهم يعد الخير متلّداًولا يعدّ نثا خزي ولا عار
لا ينطقون عَنِ الأهواء إن نطقواولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهممثل النجوم التي يسري بها الساري
وقرأت عليه للنمر بن تولب:
ثم استمرت تريد الريح مصعدةنحو الجنوب فعزتها عَلَى الريح
قوله: تريد الريح: يعني الطريدة تستقبل الريح أبداً، وإنما تفعل ذلك لتبرد أجوافها باستقبال الريح.
وعزّتها: غلبتها، يعني فرسه غلبت الطريدة، والدليل عَلَى ذلك قوله قبل هذا البيت:
لقد غدوت بصهبي وهي ملهبةإلهابها كضرام النار فِي الشيح
وصهبى: اسم فرسه، ثم قَالَ: جاءت لتسنحني يسراً فقلت لها عَلَى يمينك إنّي غير مسنوح جاءت، يعني الطريدة.
لتسنحني، أي لتمضي عَلَى يساري، ثم قَالَ: ثم استمرت، تريد الريح.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: قَالَ بعض الحكماء: إن مما سخا بنفس العاقل عَنِ الدنيا علمه بأن الأرزاق فيها لم تقسم عَلَى قدر الأخطار
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنَا عمر بن شبة أَبُو زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أبي الزناد، عَنْ هشام بن عروة، قَالَ: قَالَ عروة لبنيه: يا بنيّ، لا يهدينّ أحدكم إِلَى ربّه ما يستحي أن يهديه إِلَى حريمه، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له.
قَالَ: وكان يقول: يا بنيّ، تعلّموا العلم، فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتا! ماذا أقبح من شيخ جاهل؟ وكان يقول: إذا رأيتم خلّةً رائعة من شر من رجل فاحذروه، وإن كان عند الناس رجل صدق، فإن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم خلة رائعة من خير من رجل فلا تقطعوا إناتكم منه وإن كان عند الناس رجل سوءٍ، فإن لها عنده أخوات.
وقَالَ: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: وجد فِي حكمة فارس: إني وجدت الكرماء والعقلاء يبتغون إِلَى كل صلة ومعروف سبباً، ورأيت المودّة بين الصالحين سريعاً اتصالها، بطيئاً انقطاعها، ككوب الذهب سريع الإعادة إن أصابه ثلم أو كسر، ورأيت المودة بين الأشرار بطيئاً اتصالها، سريعاً انقطاعها، ككوب الفخّار، إن أصابه ثلم أو كسر فلا إعادة له، ورأيت الكريم يحفظ الكريم عَلَى اللّقاءة الواحدة ومعرفة اليوم، ورأيت اللئيم لا يحفظ إلا رغبة أو رهبة
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع