من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
عيون من كلام البلغاء
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، رحمه الله تعالى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، قَالَ: بلغني أن ابن السّمّاك، قَالَ للفضل بن يحيى وقد سأله رجل حاجة، إن هذا لم يصن وجهه عَنْ مسألته، إياك فأكرم وجهك عَنْ ردّك إياه، فقضى حاجته
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، عَنِ العتبي، قَالَ: سأل أعرابي عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى فقَالَ رجل من أهل البادية: ساقته الحاجة، وانتهت به الفاقة، والله سائلك عَنْ مقامي هذا.
فقَالَ: والله ما سمعت كلمة أبلغ من قائلٍ ولا أوعظ لمقول منها
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأصمعي، عَنِ العلاء بن الفضل بن عبد الملك، قَالَ: قَالَ خالد بن صفوان، لفتىً بين يديه: رحم الله أباك إن كان ليملأ العين جمالاً، والأذن بياناً
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، قَالَ: قَالَ أكثم بن صيفي: خير السّخاء ما وافق الحاجة، ومن عرف قدره لم يهلك، ومن صبر ظفر، وأكرم أخلاق الرجال العفو
قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عمر المطرّز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن يحيى، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ: زعم الثقفي عثمان بن حفص، أن خلفاً الأحمر أخبره، عَنْ مروان بن أبي حفصة أن هذا الشّعر لابن أذينة الثقفي:
ما بال من أسعى لأجبر عظمهحفاظاً وينوي من سفاهته كسرى
أعود عَلَى ذي الذنب والجهل مهمبحلمي ولو عاقبت غرّقهم بحري
أناةً وحلماً وانتظاراً بهم غداًوما أنا بالواني ولا الضّرع الغمر
أظنّ صروف الدهر والجهل منهمستحملهم منّي على مركبٍ وعر
ألم تعلموا أنى تخاف عرامتيوأن قناتي لا تلين عَلَى الكسر
وإني وإياهم كمن نبّه القطاولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى
ويروى وأني وهو جيد.
قَالَ وقرأت عليه أيضاً، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى، عَنِ ابن الأعرابي:
ومولىً عَلَى ما رابني قد طويتهحفاظاً وحاربت الذين يحارب
إذا أنت لم تغفر لمولاك أن ترىبه الجهل أو صارمته وهو عاتب
ولم توله المعروف أوشك أن ترىموالي أقوام ومولاك غائب
قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ: الغّلة: خرقة تشدُّ عَلَى رأس الإبريق وجمعها غلل، والغّلة: ما تواريت فيه، والغلّة حرارة الجوف من العطش وغيره.
قَالَ، وقيل لابنة الخسِّ: أيُّ الطعام أثقل؟ قَالَت: بيض نعام، وصرى عام إِلَى عام، قيل: فأيُّ الطعام أخبث، قَالَت: طريثيث مرّ، أبدى عَنْ رأسه القر قَالَ: والطرثوث: نبت لا بقل ولا شجر ولا شجر ولا جنبة كأنه من جنس الكمأة ينبت مع العضاه، والذّآنين مع الرمث، وقَالَت جارية راعية: طرثوثٌ ولا عضاه له، وذؤنون ولا رمثة له، وذكرٌ ولا رجل له، ثم قعدت عليه
وقَالَ أَبُو العباس: كان الضبُّ قد دفن نفسه فِي التراب وأخرج ذكره، فقَالَت هذا القول ثم قعدت عليه.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، وعبد الرحمن، عَنِ الأصمعي، قَالَ: مرّ أعرابي بأعرابية تبكي زوجها، فقَالَ: وما يبكيكِ! لا جمع الله بينك وبينه فِي الجنة، ثم مر بها بعد ذلك فقَالَ: يا فلانة رفّئيني فإني قد تزوجت، فقَالَت: نعم، بالبيت المهدوم، والطائر المشئوم، والرّحم المعقوم
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، وقَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: كانت أم كثير الضّبيّة بذيّة، وكان زوجها كذلك، فاختصما عند بعض ولاة المياه، فقَالَت له: اسكت يا منتن الخصيتين، فقَالَ: يحقُّ لهما أن يكونا كذلك، وهما طبّقا عجانك منذ ثلاثين عاما
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قيل لأم كثير: كم تزّوجتِ؟ قَالَت: ثلاثة، وكان أَبُو ابني هذا آخرهم، وكان والله مسترخياً ضعيفاً، فنظر إليها الغلام فقَالَ: أبي تذكرين! أما والله فلربما رزَّ عجانك رزَّ البيطار جحفلة الحمار.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: دعا بنانٌ الطّفيلي لرجل فقَالَ: منَّ الله عليك بصحة الجسم، وكثرة الأكل، ودوام الشهورة، ونقاء المعدة، ورزقك ضرساً طحوناً، ومعدة هضوما، وسرما نثورا
وقَالَ: قرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لسعد بن ناشب:
تفنّدني فيما ترى من شراستيوشدّة نفسي أمّ سعدٍ وما تدري
فقلت لها إنّ الكريم وإن حلاليلفى عَلَى حال أمرّ من الصبر
وفي اللّين ضعفٌ والشّراسة هيبةٌومن لا يهب يحمل عَلَى مركبٍ وعر
وما بي عَلَى من لان لي من فظاظةٍولكنّني فظٌ أبيٌّ عَلَى القسر
أقيم صغا ذي الميل حتى أردّهوأخطمه حتى يعود إِلَى القدر
فإن تعذليني تعذلي بي مرزّأًكريم نثا الاعسار مشترك اليسر
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمهوصمّم تصميم السّريجيّ ذي الأثر
الأثر: فرند السّيف، وهو رونقه بفتح الهمزة وسكون الثاء، ومثله فِي البناء خلاصة السّمن، وهو اختيار ابن الأنباري، والذي أختاره كسر الهمزة، كذا قاله الأصمعي، وأَبُو نصر، واللحياني، وقد اختلف عَنْ أبي عبيد فيه، فروى بعضهم الأثر، وروى بعضهم أثر، وأنشدوا عنه:
والأثر والصّرب معاً كالآصيه
بالكسر والفتح: والآصية عَلَى مثال فاعلة: طعام يصنع مثل الحساء بالتمر، والصّرب: اللبن الحامض، ويقَالَ: جئت عَلَى إثره بكسر الهمزة وسكون الثاء، وأثره بفتح الهمزة والثاء.
قَالَ: وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قرأت عَلَى أبي حاتم، والرياشي، عَنْ أبي زيد، قَالَ راجز من قيس:
بئس الغذاء للغلام الشاحبكبداء حطّت من صفا الكواكب
أدارها النّقّاش كلّ جانبحتّى استوت مشرقة المناكب
يعني رحّى، والكواكب: جبال طوال يقطع منها الأرحاء، واحدها كوكب، وكبداء: عظيمة الوسط، وشاحب: متغيّر اللون.
قَالَ: وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لسعد بن ناشب.
أخي عزماتٍ لا يزيد عَلَى الذييهمّ به من مقطع الأمر صاحبا
إذا همّ لم تردع عزيمة همّهولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
فيا لرزامٍ وشّحوا بي مقدّماإِلَى الموت خوّاضّاً إليه الكتائبا
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمهونكّب عَنْ ذكر الحوادث جانبا
ولم يستشر فِي رأيه غير نفسهولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ: السّنّة والّلؤمة: الحديدة التي تشقّ بها الأرض، والسخين: وقَالَ: خلط يخلط خلطاً وأخلط إذا غضب، وأنشد:
لكل امرئ شكلٌ يقرّ بعينهوقرّة عين الفسل أن يصحب الفسلا
وتعرف فِي امرئٍ جود خالهوينذل أن تلقى أخا أمّه نذلا
قَالَ: وأنشدني أَبُو عمر، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس:
عليك الخال إنّ الخال يسريإِلَى ابن الأخت بالشّبه المبين
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، فِي خبر طويل وصله لنا به:
جزى الله جوّاباً وعمراً ونائلاًجزاء الوصول المنعم المتفضّل
هم خلطوني بالنفوس وأكرمواالثواء وجادوا بالسّوام المؤبّل
ولم يسأموا مثواي سبعاً كواملاكأنّي فيهم بين أهلي ومحفلي
سأوليهم شكراً يكون كفاءمابلوني به ما بلّ ريقي مقولي
رأيت بني الهصّار سادت جدودهملهم شرف يرنو إِلَى النجم من عل
هم خير من يمشي عَلَى الأرض معشرالجارٍ جنيبٍ أو لضيفٍ محوّل
إذا طانبت أبياتهم بيت جارهمفقد حلّ حيث العصم من فرع يذبل
معاقلهم فِي يوم كلّ كريهةقواضب تقضى بالحمام المعجل
مغايير دون المحصنات إذا بدتكواكب صبح تحت ظلماء قسطل
إذا البطل المرهوب سطوة بأسهتقى الرّوع يوماً بالنجاء الهمرجل
ألاذت بأحقيهم بنو الحرب فِي الوغىفكانوا لهم ملموت أمنع معقل
يمجدكم آليت أنّ أكفّكمعَلَى الناس أجرى من رواجس هطّل
وإن لكم فِي ذروة المجد ﴿ [تقاصر عنها كلّ بدءٍ مرفّل
القسطل: الغبار.
والهمرجل: السريع.
وأحقيهم: جمع حقوٍ، والبدء: السّيّد، قَالَ أوس بن مغراء:
ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهموبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا
: الثّنى والثّنيان: دون السّيّد، وقد ذكرنا الإختلاف فيه واشتقاقه فِي كتابنا المقصور والممدود: والمرفّل: المعظّم، قَالَ الشاعر:
إذا نحن رفّلنا امرأً ساد قومهوإن كان فيهم سوقةً ليس يعرف
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع