تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

الفصل الثّانى فى البيان عن قبح التشبيه وعيوبه

والتشبيه يقبح إذا كان على خلاف ما وصفناه فى أول الباب، من إخراج الظاهر فيه إلى الخافى، والمكشوف إلى المستور، والكبير إلى الصغير، كما قال النابغة:

تخدى بهم أدم كأنّ رحالهاعلق أريق على متون صوار

وقال لبيد:

فخمة ذفراء ترتى بالعرىقردمانيّا وتركا كالبصل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقال خفاف بن ندبة:

أبقى لها التعداء من عتداتهاومتونها كخيوطة الكتان
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أبقى لها التعداء من عتداتها»

العتدات: القوائم، والمتون: الظهور؛ يقول: دقت حتى صارت متونها وقوائمها كالخيوط، وهذا بعيد جدا. ومثل هذا محمود غير معيب عند أصحاب الغلو ومن يقول بفضله.

وإذا شبه أيضا صغيرا بكبير وليس بينهما مقاربة فهو معيب أيضا، كقول ساعدة ابن جؤية:

كساها رطيب الريش فاعتدلت لهاقداح كأعناق الظباء الفوارق

شبه السهام بأعناق الظباء وليس بينهما شبه. ولو وصفها بالدقة لكان أولى.

ومن معيب التشبيه قول بشر:

وجرّ الرامسات بها ذيولاكأن شمالها بعد الدّبور
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «عفت أطلال مية بالجفير»
رماد بين أظآر ثلاثكما وشم النواشر بالنؤور
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «عفت أطلال مية بالجفير»

فشبّه الشّمال والدبور بالرّماد.

ومن خطأ التشبيه قول الجعدى:

كأن حجاج مقلتها قليب

والحجاج: العظم الذى ينبت عليه شعر الحاجب. وليس هذا مما يغور؛ وإنما تغور العين.

ومن التشبيه الكريه المتكلف قول زهير:

فزلّ عنها ووافى رأس مرقبةكمنصب العتر دمّى رأسه النّسك
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بانَ الخَليطُ وَلم يَأوُوا لمَنْ تَرَكُوا»

ومن التشبيه الردىء اللفظ قول أوس بن حجر:

كأن هرّا جنيبا تحت غرضتهاوالتف ديك برجليها وخنزير

وأعجب من هذا قول بشار:

وبعض الجود خنزير

ومن بعيد التشبيه قول أعرابى:

وما زلت ترجو نيل سلمى وودهاوتبعد حتى ابيض منك المسايح
ملا حاجبيك الشيب حتى كأنهظباء جرت، منها سنيح وبارح

فشبّه شعرات بيضا فى حاجبيه بظباء سوانح وبوارح. وقال أبو تمام:

كأننى حين جردت الرجاء لهعضب صببت به ماء على الزمن

ولا يكاد يرى تشبيه أبرد من هذا.

وكتب آخر إلى أخ له يعتذر من ترك زيارته: قد طلعت فى إحدى أثيىّ بثرة، فعظمت حتى كأنها الرمانة الصغيرة.

وقال علىّ الأسوارى: فلما رأيته اصفرّ وجهى حتى صار كأنه لون الكشّوت.

وقال له محمد بن الجهم: كم آخذ من الدواء الذى جئت به؟ قال: مقدار بعرة.

فجاء بلفظ قذر، ولم يبن عن المراد؛ لأن البعر يختلف فى الكبر والصغر، ولا يعرف أبعرة ظبى أراد أم بعرة شاة أم بعرة جمل.

ومن التشبيه المتنافر قول الجمانى يصف ليلا:

كأنما الطرف يرمى فى جوانبهعن العمى وكأن النجم قنديل

اجتماع العمى والقنديل فى غاية التنافر.

ومن ردىء التشبيه قول ابن المعتز:

أرى ليلا من الشعرعلى شمس من الناس

الجمع بين الليل والناس ردىء. وقد وقع هاهنا باردا.

الباب الثّامن فى ذكر السجع والازدواج

لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا، ولا تكاد تجد لبليغ كلاما يخلو من الازدواج، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن؛ لأنه فى نظمه خارج من كلام الخلق، وقد كثر الازدواج فيه حتى حصل فى أوساط الآيات فضلا عما تزاوج فى الفواصل منه. كقول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ

. وقوله ﷿: أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ

. وقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

. إلى غير ذلك من الآيات.

وأما ما زووج بينه بالفواصل فهو كثير. مثل قوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ

. وقوله سبحانه: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ

. وقوله ﷿: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ

. وقوله جل ذكره: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا

؛ وهذا من المطابقة التى لا تجد فى كلام الخلق مثلها حسنا ولا شدة احتصار؛ على كثرة المطابقة فى الكلام.

وكذلك جميع ما فى القرآن مما يجرى على التسجيع والازدواج مخالف فى تمكين المعنى، وصفاء اللفظ، وتضمّن الطّلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام الخلق. ألا ترى قوله عز اسمه: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً

قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى، من مثل قول

الكاهن: والسماء والأرض، والقرض والفرض، والغمر والبرض. ومثل هذا من السجع مذموم لما فيه من التكلف والتعسف. ولهذا ما قال النبى ﷺ لرجل، قال له: أندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح، فاستهلّ، فمثل ذلك يطل: أسجعا كسجع الكهان! لأن التكلف فى سجعهم فاش، ولو كرهه ﵊ لكونه سجعا لقال: أسجعا؛ ثم سكت، وكيف يذمه ويكرهه، وإذا سلم من التكلّف، وبرىء من التعسّف لم يكن فى جميع صنوف الكلام أحسن منه.

وقد جرى عليه كثير من كلامه ﵇؛ فمن ذلك ما حدثنا به يوسف الإمام بواسط، قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله أبو شهاب عن عوف عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبى ﷺ المدينة انجفل الناس قبله؛ فقيل: قدم رسول الله، فجئت فى الناس لأنظر إليه. فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شىء تكلم به أن قال: «أيّها الناس؛ أفشوا السّلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».

وكان ﷺ ربما غيّر الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها؛ كقوله ﷺ: «أعيذه من الهامّة، والسّامّة، وكل عين لامّة». وإنما أراد «ملمّة». وقوله ﵇: «ارجعن مأزورات، غير مأجورات». وإنما أراد «موزورات»، من الوزر. فقال: مأزورات، لمكان مأجورات، قصدا للتوازن وصحة التسجيع.

فكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلّف والخلو من التعسف.

وقد اعتمد فى موضع تجنب السجع وهو معرّض له، وكلامه كان يطالبه. فقال:

«وما يدريك أنه شهيد، لعله كان يتكلم بما لا يعنيه، ويبخل بما لا ينفعه». ولو قال:

بما لا يغنيه، لكان سجعا. والحكيم العليم بالكلام يتكلم على قدر المقامات، ولعل قوله: «ينفعه» كان أليق بالمقام فعدل إليه.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السّابع فى التشبيه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.