من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
وجوه التشبيه
منها تشبيه الشىء بالشىء صورة؛ مثل قول الله ﷿: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
. أخذه ابن الرومى، فقال فى ذم الدهر:
تأتى على القمر السّارى نوائبهحتى يرى ناحلا فى شخص عزجون
وأين يقع هذا من لفظ القرآن.
ومن ذلك قول امرىء القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وقوله أيضا:
كأنّ عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب
وقول عدى بن الرقاع:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقهقلم أصاب من الدّواة مدادها
ومنها تشبيه الشىء بالشىء لونا وحسنا؛ كقول الله ﷿: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
. وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
. وكقول حميد ابن ثور:
والليل قد ظهرت نحيزتهوالشمس فى صفراء كالورس
وكقول الآخر:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهموأسنّة زرق يخلن نجوما
ومنها تشبيهه به لونا وسبوغا، كقول امرىء القيس:
ومشدودة السّكّ موضونةتضاءل فى الطّىّ كالمبرد
يفيض على المرء أردانهاكفيض الأتىّ على الجدجد
شبّه الدّرع بالأتىّ فى بياضها وسبوغها؛ لأنها تعمّ الجسد كما يعمّ الأتىّ الجدجد إذا تفجّر فيه؛ والأتى: السيل.
ومنها تشبيهه به لونا وصورة، كقول النابغة:
تجلو بقادمتى حمامة أيكةبردا أسفّ لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غبّ سمائهجفّت أعاليه وأسفله ندى
شبّه الثّغر بالأقحوان لونا وصورة؛ لأنّ ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر سواء، وإذا كان الثّغر نقيّا كان فى لونه سواء.
وكقول امرىء القيس:
جمعت ردينيّا كأنّ سنانهسنا لهب لم تتّصل بدخان
ومما يتضمّن معنى اللون وحده قول الأعشى:
وسبيئة ممّا تعتّق بابلكدم الذّبيح سلبتها جريالها
وقول الشماخ:
إذا ما الليل كان الصبح فيهأشق كمفرق الرّأس الدّهين
وقول زهير:
وقد صار لون اللّيل مثل الأرندج
وقول امرىء القيس:
وليل كموج البحر مرخ سدولهعلىّ بأنواع الهموم ليبتلى
وفى هذا معنى الهول أيضا.
وقول كعب بن زهير:
وليلة مشتاق كأنّ نجومهاتفرّقن منها فى طيالسة خضر
وقول ذى الرمة:
وليل كجلباب العروس ادّرعتهبأربعة والشّخص فى العين واحد
وقوله أيضا:
وقد لاح للسّارى الذى كمّل السّرىعلى أخريات اللّيل فتق مشهّر
كلون الحصان الأنبط البطن قائماتمايل عنه الجلّ واللّون أشقر
ومنها تشبيهه به حركة؛ وهو قول عنترة»
غردا يحكّ ذراعه بذراعهقدح المكبّ على الزّناد الأجذم
وقول الأعشى:
غرّاء فرعاء مصقول عوارضهاتمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
وقول الآخر:
كأنّ مشيتها من بيت جارتهامرّ السّحابة لا ريث ولا عجل
وقول الآخر:
كأنّ أنوف الطّير فى عرصاتهاخراطيم أقلام تخطّ وتعجم
ومنها تشبيهه به معنى، كقول النابغة:
فإنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وقوله:
فإنك كالليل الّذى هو مدركىوإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وكقول الآخر:
وكالسّيف إن لا ينته لان متنهوحدّاه إن خاشنته خشنان
وقول مسلم بن الوليد:
وإنّى وإسماعيل يوم وداعهلكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل
وقوله:
فإن أغش قوما بعده أو أزرهمفكالوحش يدنيها من الآنس المحل
وقول الآخر:
والدّهر يقرعنى طورا وأقرعهكأنه جبل يهوى إلى جبل
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبلأزاله عن مقرّه النّظر
وقد يكون التشبيه بغير أداة التشبيه؛ وهو كقول امرىء القيس:
له أيطلا ظبى وساقا نعامةوإرخاء سرحان وتقريب تتفل
هذا إذا لم يحمل على التشبيه فسد الكلام؛ لأنّ الفرس لا يكون له أيطلا ظبى ولا ساقا نعامة ولا غيره مما ذكره، وإنما المعنى له أيطلان كأيطلى ظبى وساقان كساقى نعامة. وهذا من بديع التشبيه؛ لأنه شبّه أربعة أشياء بأربعة أشياء فى بيت واحد، وكذلك قول المرقش:
النّشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكفّ عنم
فهذا تشبيه ثلاثة أشياء فى بيت واحد.
وضرب منه آخر، ومنه قول امرىء القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلهاسموّ حباب الماء حالا على حال
فحذف حرف التشبيه.
ثم نورد هاهنا شيئا من غرائب التشبيهات وبدائعها، ليكون مادة لمن يريد العمل برسمنا فى هذا الكتاب؛ فمن بديع التشبيه قول امرىء القيس:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالى
فشبّه شيئين بشيئين مفصلا: الرطب بالعناب، واليابس بالحشف؛ فجاء فى غاية الجودة.
ومثله قول بشار:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فشبّه ظلمة الليل بمثار النّقع، والسيوف بالكواكب.
وبيت امرىء القيس أجود؛ لأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا أشبه بالعنّاب والحشف من السيوف بالكواكب.
ومثل قول النمرى:
ليل من النّقع لا شمس ولا قمرإلّا جبينك والمذروبة الشّرع
وقول العتابى:
مدّت سنابكها من فوق أرؤسهمليلا كواكبه البيض المباتير
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
نشرت إلىّ غدائرا من شعرهاحذر الكواشح والعدوّ الموبق
فكأننى وكأنّها وكأنّهصبحان باتا تحت ليل مطبق
شبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء مفصّلة.
وقال البحترى:
تبسّم وقطوب فى ندى ووغىكالغيث والبرق تحت العارض البرد
وأتمّ ما فى هذا قول الوأواء:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقتوردا وعضّت على العنّاب بالبرد
فشبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء فى بيت واحد: الدمع باللؤلؤ، والعين بالنرجس، والخدّ بالورد، والأنامل بالعنّاب؛ لما فيهنّ من الخضاب، والثّغر بالبرد. ولا أعرف لهذا البيت ثانيا فى أشعارهم.
وقول البحترى:
كالسّيف فى إخذامه والعيث فىإرهامه واللّيث فى إقدامه
فشبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء.
وقلت فى مثله:
كالسّيف فى غمراته والبدر فىظلماته والغيث فى أزماته
وقال البحترى:
شقائق يحملن النّدى فكأنّهدموع التّصابى فى خدود الخرائد
فشبّه شيئين بشيئين.
ومثله قول أبى نواس:
يا قمرا أبصرت فى مأتميندب شجوا بين أتراب
يبكى فيلقى الدّرّ من نرجسويلطم الورد بعنّاب
أخذه بعض المتأخرين فقلبه هجاء فقال:
يا قردة أبصرت فى مأتمتندب شجوا بتخاليط
تبكى فتلقى البعر من كوّةوتلطم الشّوك ببلوط
وشبّهت الهلال تشبيها يتضمّن صفته من لدن هو هلال إلى أن يكمل، فقلت:
وكؤوس إذا دجا الليل دارتتحت سقف مرصّع باللّجين
وكأنّ الهلال مرآة تبرينجلى كلّ ليلة إصبعين
ومن بديع التشبيه قول سلمة بن عباس:
كأنّ بنى ذالان إذ جاء جمعهمفراريج يلقى بينهنّ سويق
هذا لدقّة أصواتهم وعجلة كلامهم، وقوله:
حديث بنى قرط إذا ما لقيتهمكنزو الدّبا فى العرفج المتقارب
وقال بعض المحدثين وهو ابن نباتة فى فرس أبلق أغرّ:
وكأنما لطم الصّباح جبينهفاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
وقال آخر:
ليل يجرّ من الصّباح ذلاذلا
ومن مليح التشبيه وبديعه قول ابن المعتز:
والصبح يتلو المشترى فكأنهعريان يمشى فى الدّجى بسراج
وقوله فى صفة فرس:
ومحجّل غير اليمين كأنّهمتبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال أعرابى:
بغزو كولغ الذئب غاد ورائحوسير كصدر السّيف لا يتعرّج
وقول ابن الرقاع:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقهقلم أصاب من الدواة مدادها
وقول الطّرّماح:
يبدو وتضمره البلاد كأنهسيف على شرف يسلّ ويغمد
وقول ذى الرمة فى الحرباء:
ودوّيّة جرداء جدّاء خيّمتبها هبوات الصيف من كل جانب
كأنّ يدى حربائها متململايدا مذنب يستغفر الله تائب
وقوله فيها:
وقد جعل الحرباء يصفرّ لونهوتخضرّ من حرّ الهجير غباغبه
ويسبح بالكفين حتّى كأنهأخو فجرة عالى به الجذع صالبه
أخذه البحترى، فقال:
فتراه مطّردا على أعوادهمثل اطّراد كواكب الجوزاء
مستشرفا للشمس منتصبا لهافى أخريات الجذع كالحرباء
وقال ذو الرّمّة:
يصلّى بها الحرباء للشمس مائلاعلى الجذل إلّا أنه لا يكبّر
إذا حوّل الظلّ العشىّ رأيتهحنيفا وفى قرن الضّحى يتنصّر
الحرباء: دويبة كالعظاية تأتى شجرة تعرف بالتّنضبة فتمسك بيديها غصنين منها، وتقابل بوجهها الشمس، فكيفما دارت الشمس دارت معها، فإذا غربت الشمس نزلت فرعت ... والحرباء، فارسية معربة؛ وإنما هى خربا؛ أى حافظ الشمس، والشمس تسمى بالفارسية خر؛ وقد ملح ابن الرومى فى ذكرها حيث يقول فى قينة:
ما بالها قد حسنت ورقيبهاأبدا قبيح، قبّح الرقباء
ما ذاك إلا أنها شمس الضحىأبدا يكون رقيبها الحرباء
وقال ابن الرومى أيضا فى مصلوب:
كم بأرض الشآم غادرت منهمغائرا موفيا على أهل نجد
يلعب الدّستبند فردا وإنكان له شاغل عن الدّستبند
وقال ابن المعتز:
وقد علا فوق الهلال كرتهكهامة الأسود شابت لحيته
وقال:
ورأسه كمثل فرق قد مطروصدغه كالصّولجان المنكسر
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
بيضاء تسحب من قيام فرعهاوتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنها فيه نهار ساطعوكأنه ليل عليها مظلم
ومن بديعه قول مسلم:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلةكأنّ دجاها من قرونك تنشر
وقول الفرزدق:
والشيب ينهض فى الشّباب كأنهليل يصيح بجانبيه نهار
وقلت:
شمس هوت وهلال الشهر يتبعهاكأنها سافر قدّام منتقب
تبدو الثريا وأمر الليل مجتمعكأنها عقرب مقطوعة الذّنب
وقلت:
تلوح الثريا والظلام مقطّبفيضحك منها عن أغرّ مفلّج
تسير وراء والهلال أمامهاكما أومأت كفّ إلى نصف دملج
وقال عبد الله بن المعتز:
أهلا وسهلا بالناى والعودوكأس ساق كالغصن مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقدبشّر سقم الهلال بالعيد
وقال آخر:
تبدو الثريا كفاغر شرهيفتح فاه لأكل عنقود
قال أبو الحرث: جميز فلان كالمشجب من حيث لقيته «لا»، فقال أبو العبر:
لو كنت من شىء خلافك لم تكنلتكون إلّا يشجبا فى مشجب
يا ليت لى من جلد وجهك رقعةفأقدّ منها حافرا للأشهب
وقال بعض الحكماء: العقل كالسيف والنظر كالمسنّ. ونظر عبادة إلى سوداء تبكى، فقال: كأنها تنّور شنان يكف؛ فنظمته وقلت:
سوداء تذرف دمعهامثل الأتون إذا وكف
وقال ابن المعتز:
وكأنّ عقرب صدغه وقفتلما دنت من نار وجنته
وقلت:
كأنّ نهوض النجم والأفق أخضرتبلج ثغر تحت خضرة شارب
وقال أوس بن حجر:
حتى تلفّ بدوركم وقصوركمجمع كناصية الحصان الأشقر
وقلت:
بكرنا إليه والظلام كأنهغراب على عرف الصباح يرنّق
وقلت:
إذا التوى الصّدغ فوق وجنتهرأيت تفاحة بها عضّه
وقلت:
والغيم يأخذه ريح فتنفشهكالقطن يندف فى زرق الدبابيج
وقلت:
وقهوة من يد المغنوج صافيةكأنها عصرت من خدّ مغنوج
وقلت:
قم بنا نذعر الهموم بكأسوالثريّا لمفرق الليل تاج
وقد انجرّت المجرّة فيهكسبيب يمدّه نسّاج
وقلت:
وكأنّ النجوم والليل داجنقش عاج يلوح فى سقف ساج
وقلت:
كأن السّميريّات فيه عقاربتجىء على زرق الزجاج وتذهب
وقلت:
فأذريت دمعا بالدماء مصبّغاكما يتواهى عقد عقد منسّق
وقد باشر الليل الصباح كأنهبقية كحل فى حماليق أزرق
وهذا الجنس كثير، وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع