تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

أجود التشبيه

وأجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة أوجه:

أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة [إلى ما يقع عليه]؛ وهو قول الله ﷿: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً.

فأخرج ما لا يحسّ إلى ما يحسّ؛ والمعنى الذى يجمعهما بطلان المتوهم مع شدّة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قال: يحسبه الرأى ماء لم يقع موقع قوله: «الظمآن»؛ لأنّ الظمآن أشدّ فاقة إليه، وأعظم حرصا عليه.

وهكذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ

. والمعنى الجامع بينهما بعد التّلاقى، وعدم الانتفاع.

وكذلك قوله ﷿: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ

؛ أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه من لهث الكلب.

والمعنى أن الكلب لا يطيعك فى ترك اللهث على حال، وكذلك الكافر لا يجيبك إلى الإيمان فى رفق ولا عنف.

وهكذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ

. والمعنى الذى يجمع بينهما الحاجة إلى المنفعة، والحسرة لما يفوت من درك الحاجة.

والوجه الآخر إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة؛ كقوله تعالى:

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ

؛ والمعنى الجامع بين المشبّه والمشبّه به الانتفاع بالصورة.

ومن هذا قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ

إلى قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ

؛ هو بيان ما جرت به العادة إلى ما لم تجربه. والمعنى الذى يجمع الأمرين الزينة والبهجة، ثم الهلاك، وفيه العبرة لمن اعتبر، والموعظة لمن تذكّر.

ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ

، فاجتمع الأمران فى قلع الريح لهما وإهلاكهما والتخوّف من تعجيل العقوبة.

ومن هذا قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ

. والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر، وفيه الدّلالة على عظم الشّأن؛ ونفوذ السلطان.

ومنه قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ

إلى قوله ﷿:

ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً

؛ والجامع بين الأمرين الإعجاب، ثم سرعة الانقلاب؛ وفيه الاحتقار للدّنيا والتّحذير من الاغترار بها.

والوجه الثالث: إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها؛ فمن هذا قوله ﷿: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ

، قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها؛ والجامع بين الأمرين العظم؛ والفائدة فيه التشويق إلى الجنة بحسن الصّفة.

ومثله قوله سبحانه: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً

، والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول؛ والفائدة فيه الترغيب فى تحفّظ العلوم، وترك الاتكال على الرّواية دون الدّراية.

ومنه قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ

؛ والجامع بين الأمرين خلوّ الأجساد من الأرواح؛ والفائدة الحثّ على احتقار ما يؤول به الحال.

وهكذا قوله سبحانه: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً

؛ فالجامع بين الأمرين ضعف المعتمد؛ والفائدة التحذير من حمل النفس على التغرير بالعمل على غير أس.

والوجه الرابع: إخراج ما لا قوّة له فى الصفة على ما له قوة فيها؛ كقوله ﷿: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ

؛ والجامع بين الأمرين العظم، والفائدة البيان عن القدرة فى تسخير الأجسام العظام فى أعظم ما يكون من الماء.

وعلى هذا الوجه يجرى أكثر تشبيهات القرآن، وهى الغاية فى الجودة، والنهاية فى الحسن.

وقد جاء فى أشعار المحدثين تشبيه ما يرى العيان بما ينال بالفكر، وهو ردىء، وإن كان بعض الناس يستحسنه لما فيه من اللطافة والدّقة، وهو مثل قول الشاعر:

وكنت أعزّ عزّا من قنوعيعوّضه صفوح من ملول
فصرت أذلّ من معنى دقيقبه فقر إلى فهم جليل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كأني لم أبثكما دخيلي»

وكقول الآخر:

وندمان سقيت الرّاح صرفاوأفق اللّيل مرتفع السّجوف
صفت وصفت زجاجتها عليهاكمعنى دقّ فى ذهن لطيف
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وندمان سقيت الراح صرفا»

فأخرج ما تقع عليه الحاسّة إلى ما لا تقع عليه، وما يعرف بالعيان إلى ما يعرف بالفكر، ومثله كثير فى أشعارهم.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.