من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
الاستعارة فى كلام العرب
وأما ما جاء فى كلام العرب منه، فمثل قولهم: هذا رأس الأمر ووجهه، وهذا الأمر فى جنب غيره يسير، ويقولون: هذا جناح الحرب وقلبها. وهؤلاء رءوس
القوم وجماجمهم وعيونهم. وفلان ظهر فلان، ولسان قومه ونابهم وعضدهم.
وهذا كلام له ظهر وبطن. وفى العرب الجماجم، والقبائل، والأفخاذ، والبطون، وخرج علينا عنق من الناس. وله عندى يد بيضاء، وهذه سرّة الوادى، وبابل عين الأقاليم، وهذا أنف الجبل، وبطن الوادى، ويسمون النبات نوءا. قال:
وجف أنواء السّحاب المرتزق
أى جفّ البقل، ويقولون للمطر: سماء. قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قومرعيناه وإن كانوا غضابا
ويقولون: ضحكت الأرض، إذا أنبتت؛ لأنها تبدى عن حسن النبات كما يفتر الضاحك عن الثغر، ويقال: ضحكت الطلعة. والنور يضاحك الشمس.
قال الأعشى:
يضاحك الشمس منها كوكب شرقمؤزّر بعميم النبت مكتهل
ويقولون: ضحك السحاب بالبرق، وحنّ بالرعد، وبكى بالقطر. ويقولون:
لقيت من فلان عرق القربة، أى شدة ومشقة. وأصل هذا أنّ حامل القربة يتعب من نقلها حتى يعرق. ويقولون أيضا: لقيت منه عرق الجبين، والعرب تقول:
بأرض فلان شجر قد صاح؛ وذلك إذا أطال فتبين للناظر بطوله، ودل على نفسه؛ لأنّ الصائح يدل على نفسه. ويقولون: هذا شجر واعد، إذا أقبل بماء ونضرة؛ كأنه يعد بالثمر؛ قال سويد بن أبى كاهل:
لعاع تهاداه الدكادك واعد
ومثله قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبى براءويرغب عن دماء بنى عقيل
ومثله قوله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ.
وأنشد الفراء:
إنّ دهرا يلفّ شملى بسلمىلزمان يهمّ بالإحسان
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع