من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
كثرته
ومثل هذا إذا اتفق فى موضع من القصيدة أو موضعين كان حسنا، فإذا كثر وتوالى دلّ على التكلّف؛ وقد ارتكب قوم من القدماء الموالاة بين أبيات كثيرة
من هذا الجنس فظهر فيها أثر التكلّف، وبان عليها سمة التعسف، وسلم بعضها ولم يسلم بعض؛ فمن ذلك ما روى أنه للخنساء:
حامى الحقيقة محمود الخليقة مهدىّ الطريقة نفاع وضرّار
هذا البيت جيد؛ ثم قالت:
فعّال سامية ورّاد طاميةللمجد نامية تعنيه أسفار
هذا البيت ردىء لتبرىء بعض ألفاظه من بعض؛ ثم قالت:
جواب قاصية جزّاز ناصيةعقّاد ألوية للخيل جرّار
آخر هذا البيت لا يجرى مع ما قبله، وإذا قسته بأوله وجدته فاترا باردا؛ ثم قالت:
حلو حلاوته فصل مقالتهفاش حمالته للعظم جبّار
وهذا مثل ما قبله؛ وقول أبى صخر الهذلى:
وتلك هيكلة خود مبتّلةصفراء رعبلة فى منصب سنم
هذا البيت صالح؛ وبعده:
عذب مقبّلها جذل مخلخلهاكالدّعص أسفلها مخصورة القدم
كأن قوله: «مخصورة القدم» ناب عن موضعه غير واقع فى موقعه؛ وبعده:
سود ذوائبها بيض ترائبهامحض ضرائبها صيغت على الكرم
وهذا البيت أيضا قلق القافية؛ وبعده:
سمح خلائقها درم مرافقهايروى معانقها من بارد شبم
هذا البيت ردىء لبعد ما بين الخلائق، والمرافق، وما بين الدّرم، والسمح؛ ولولا أن السجع اضطره لما قال: سمح وليس لعظم مرفقها حجم. وهذا مثل قول القائل لو قال: خلق فلان حسن وشعره جعد. ليس هذا من تأليف
البلغاء ونظم الفصحاء. وقول أبى المثلم:
آبى الهضيمة ناء بالعظيمة متلاف الكريمة جلد غير ثنيان
حامى الحقيقة نسّال الوديقة معتاق الوسيقة لا نكس ولاوان
البيت الثانى أجود من الأول؛ وقوله:
ربّاء مرقبة منّاع مغلبةوهاب سلهبة قطاع أقران
وهذا البيت أيضا صالح؛ وبعده:
هبّاط أودية حمّال ألويةشهاد أندية سرحان فتيان
قوله: سرحان فتيان ناب قلق؛ وبعده:
يعطيك ما لا تكاد النفس ترسلهمن التلاد وهوب غير منّان
التارك القرن مصفرّا أناملهكأن فى ريطتيه نضح إرقان
هذا البيت جيّد وقد سلم من سائر العيوب إذ لم يتكلّف فيه السجع ولم يتوخ الموازنة.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع