تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

الفصل الثّالث عشر فى العكس

العكس

العكس: أن تعكس الكلام فتجعل فى الجزء الأخير منه ما جعلته فى الجزء الأول، وبعضهم يسميّه التبديل؛ وهو مثل قول الله ﷿: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ.

وقوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ.

وكقول القائل: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. وقول الآخر:

اللهم أغننى بالفقر إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك. وقول بعض النساء لولدها:

رزقك الله حظّا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوى الحظوظ.

وقال بعضهم لرجل كان يتعهده: أسأل الله الّذى رحمنى بك، أن يرحمك بى.

وقال بعض القدماء: ما أقلّ منفعة المعرفة مع غلبة الشهوة! وما أكثر قلة المعرفة مع ملك النفس! وقال بعضهم: كن من احتيالك على عدوك، أخوف من احتيال عدوك عليك. وقال آخر: ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم.

وفى معناه قول الشاعر:

جهلت ولم تعلم بأنك جاهلفمن لى بأن تدرى بأنّك لا تدرى
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أتجرؤ في تلبيس ذكرك في ذكري»

وعزّى رجل أخاه على ولد، فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك- يعنى الجنّة.

وقال بعضهم: إنى أكره للرّجل أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا عن مقدار لسانه. وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عنه: إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت. وقيل للحسن بن سهل- وكان يكثر العطاء: ليس فى السّرف خير، فقال: ليس فى الخير سرف.

فعكس اللفظ واستوفى المعنى.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.