تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

من التعريض الجيد

ومن التعريض الجيد ما كتب به عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد، فقد استشفع بى فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطوّل عليه فى إلحاقه بنظرائه من المرتزقين فيما يرتزقون، فأعلمته أنّ أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب المستشفع بهم، وفى ابتدائه بذلك تعدّى طاعته والسلام. فوقع فى كتابه: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك بنفسك، وأجبناك إليهما، وأوقفناك عليهما.

ومن المنظوم قول بشّار:

وإذا ما التقى ابن نهيا وبكرزاد فى ذا شبر وفى ذاك شبر

أراد أنهما يتبادلان، وقال آخر فى ابن حجام:

أبوك أب مازال للناس موجعالأعناقهم نقرا كما ينقر الصّقر
إذا عوّج الكتّاب يوما سطورهمفليس بمعوجّ له أبدا سطر

وقال بعض المتقدمين:

وقد جعل الوسمىّ ينبت بينناوبين بنى دودان نبعا وشوحطا

النّبع والشّوحط، كأنه كنّى بهما عن القسى والسهام؛ ومثله قول الآخر:

وفى البقل ما لم يدفع الله شرّهشياطين ينزو بعضهنّ على بعض

وقول رؤبة:

يابن هشام أهلك النّاس اللبنفكلّهم يعدو بقوس وقرن

وهذه كنايات عن القتال والوقائع بينهم أيام الربيع، وهو وقت الغزو عندهم.

وكتب كافى الكفاة: إن فلانا طرق بيته وهو الخيف؛ لا خوف على من دخله، ولا يد على من نزله، فصادف فتيانا يعاطون كريمته الكؤوس تارة، والفؤوس مرة، فمن ذى معول يهدم، ومن ذى مغول يثلم. فبائع الرقيق يكتب من بينهم بالغليظ، فوثبت العفيفة خفيفة ذفيفة، تحكم يمناها فى أخادعه، وتتقى بيسراها وقع أصابعه، والحاضرون يحرّضونها على القتال، ويدعونها إلى النزال، والشيخ يناديهم:

تجمعتم من كل أوب وبلدةعلى واحد لازلتم قرن واحد

ثم علم أن الحرب خدعة، ولكل امرىء فرصة، فتلقّاها بالأثافى طلاقا بتّا وفراقا بتلا. وأخذ ينشد:

إنى أبىّ أبىّ ذو محافظةوابن أبىّ أبىّ من أبيين
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا من لقلب شديد الهم محزون»

ولكن بعد ماذا، بعد ما ضمّوا الخصر، وأموا الحصر، وأدمنوا العصر، وافتتحوا القصر.

وكان ما كان مما لست أذكرهفظنّ شرّا ولا تسأل عن الخبر
للشاعر سليمان الصولة، اقرأ القصيدة

فأكثر هذا الكلام كنايات.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.