من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
[مثال الغلو] من المنظوم
ومن المنظوم قول امرىء القيس:
من القاصرات الطرف لو دبّ محولمن الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا
وقول الأعشى:
فتى لو ينادى الشمس ألقت قناعهاأو القمر السارى لألقى المقالدا
ينادى: أى يجالس؛ وقول أبى الطمحان:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
ومثله:
وجوه لو ان المدلجين اعتشوا بهاصدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلى
وقول الآخر:
من البيض الوجوه بنى سنانلو انك تستضىء بهم أضاءوا
وقول النابغة الجعدى:
بلغنا السماء مجدنا وسناؤناوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وقول النّمرى.
تظلّ تحفر عنه إن ضربت بهبعد الذراعين والساقين والهادى
وقول الطّرمّاح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلت
ولو أنّ برغوثا على ظهر قملةيكرّ على صفّى تميم لولّت
ولو أنّ أم العنكبوت بنت لهامظّلتها يوم الندى لاستظلت
ولو جمعت يوما تميم جموعهاعلى ذرّة معقولة لا ستقلت
ولو أن يربوعا يزقّق مسكهإذن نهلت منه تميم وعلّت
يزقق: أى يجعل منه زقاقا.
وقال الآخر:
وتبكى السموات إذا ما دعاوتستغيث الأرض من سجدته
لما اشتهى يوما لحوم القطاصرّعها فى الجوّ من نكهته
ومثله فى الإفراط قول الخثعمى:
يدلى يديه إلى القليب فيستقىفى سرجه بدل الرشاء المحصد
وكما أفرطوا فى صفة الطّول كذلك أفرطوا فى صفة القصر؛ قال بعضهم:
فأقسم لو خرّت من استك بيضةلما انكسرت من قرب بعضك من بعض
وقال آخر فى صفة كثير عزة وكان قصيرا:
قصير القميص فاحش عند بيتهيعضّ القراد باسته وهو قائم
وقال بعض المحدثين:
وقصير لا تعمل الششمس ظلّا لقامته
يعثر الناس فى الطرىق به من دمامته
وقال أبو عثمان الناجم:
ألا يا بيدق الشطرنج فى القيمة والقامة
وقال أبو نواس يصف قدرا:
يغصّ بحيزوم الجرادة صدرهاوينضج ما فيها بعود خلال
وتغلى بذكر النار من غير حرّهاوتنزلها عفوا بغير جعال
هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائلربيع اليتامى عام كل هزال
وقال آخر فى خلاف ذلك:
بقدر كأنّ الليل شحمة قعرهاترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع
ومن الإفراط قول المؤمل:
من رأى مثل حبّتىتشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثم تدخل أرادفها غدا
ومثله قول الآخر:
أنت فى البيت وعرنينك فى الدّار يطوف
ومثله:
لقد مرّ عبد الله فى السوق راكباله حاجة من أنفه ومطّرق
وعنّت له فى جانب السوق مخطةتوهمت أن السوق منها سيغرق
فأقذر به أنفا وأقذر بربّهعلى وجهه منه كنيف معلّق
ومثله فى الإفراط قول آخر فى إمام بطىء القراءة:
إن قرأ «العاديات» فى رجبلم تفن آياتها إلى رجب
بل هو لا يستطيع فى سنةبختم «تبت يدا أبى لهب»
وقال ابن مقبل:
يقلقل من ضغم اللجام لهاتهتقلقل عود المرخ فى الجعبة الصّفر
وقال إبراهيم بن العباس:
يا أخا لم أر فى الدهر خلّامثله أسرع هجر ووصلا
كنت لى فى صدر يومى صديقافعلى عهدك أمسيت أم لا
وقال ابن الرومى:
يا ثقيلا على القلوب خفيفافى الموازين دون وزن النقير
طر مخيفا أو قع مقيتا فطورا كسفاة وتارة كثبير
وقبول النفوس إياك عندىآية فيك للّطيف الخبير
إن قوما أصبحت تنفق فيهملعلى غاية من التسخير
ومن الناس من يكره الإفراط الشديد ويعيبه؛ وإذا تحرز المبالغ واستظهر فأورد شرطا، أو جاء- بكاد- وما يجرى مجراها يسلم من العيب؛ وذلك مثل قول الأول:
لو كنت من شىء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
وقول العرجى:
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائناحيا الحطيم وجوههنّ وزمزم
وقول الأسدى:
فلو قاتل الموت امرؤ عن حميمهلقاتلت جهدى سكرة الموت عن معن
فتى لا يقول الموت من وقعة بهلك ابنك خذه ليس من حاجتى دعنى
وقول الآخر:
لو كان يخفى على الرّحمن خافيةمن خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذلّ أو لهمكما أقامت عليه جذمة الوتد
وقول البحترى:
ولو أن مشتاقا تكلّف غير مافى وسعه لسعى إليك المنبر
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع