تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

الفصل السّادس فى صحة التفسير

التفسير

وهو أن يورد معانى فيحتاج إلى شرح أحوالها، فإذا شرحت تأتى فى الشرح بتلك المعانى من غير عدول عنها أو زيادة تزاد فيها، كقول الله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ

، فجعل السكون لليل، وابتغاء الفضل للنهار؛ فهو فى غاية الحسن، ونهاية التمام.

ومن النثر ما كتب بعضهم: إن لله ﷿ نعما لو تعاون خلقه على شكر واحدة منها لأفنوا أعمارهم قبل قضاء الحقّ فيها، ولى ذنوب لو فرّقت بين خلقه جميعا لكان كلّ واحد منهم عظيم الثقل منها؛ ولكنه يستر بكرمه، ويعود بفضله، ويؤخر العقوبة انتظارا للمراجعة من عبده، ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه وبرّه.

فذكر جملتين؛ وهمانعم الله تعالى وذنوب عبده، ثم فسركل واحدة منهما مرتين تفسيرا صحيحا. قوله: «يستر بكرمه» راجع إلى الذنوب، وقوله: «يعود بفضله» راجع إلى النعم، فاستوفى. ثم قال: «ويؤخر العقوبة» فهذا أيضا راجع إلى الذنوب، وقوله: «ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه وبره» راجع إلى النّعم، فهو تفسير صحيح فى تفسير صحيح.

ومن ذلك قول بعض أهل الزمان وقد كتب إليه بعض الأشراف كتابا وسأله أن يصلح ما يجد فيه من سقم؛ فكتب إليه: فأمّا ما رسمه من سدّ ثلمه، وجبر كسره، ولمّ شعثه؛ فأىّ ثلم يوجد فى أديم السماء؛ وأىّ كسر يلفى فى حاجب ذكاء؛ وأىّ شعث يرى فى الزّهرة الزهراء! ففسر الثلاثة، ولم يغادر منها واحدا.

ومثاله من المنظوم قول الفرزدق:

لقد جئت قوما لو لجأت إليهمطريد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت فيهم معطيا أو مطاعناوراءك شزرا بالوشيج المقوّم

ففسر قوله: «حاملا ثقل مغرم»، بقوله: «تلقى فيهم من يعطيك» وقوله:

«طريد دم» بقوله: «تلقى فيهم من يطاعن دونك».

وقال ابن مطير فى السحاب:

وله بلا حزن ولا بمسرّةضحك يراوح بينه وبكاء

وقول المقنّع:

لا تضجرنّ ولا يدخلك معجزةفالنّجح يهلك بين العجز والضّجر

وضرب منه قول صالح بن جناح اللخمى:

لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّنىإلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولى فرس للحلم بالحلم ملجمولى فرس للجهل بالجهل مسرج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فمن رام تقويمى فإنى مقوّمومن رام تعويجى فإنى معوّج
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «فيا سائلي عن مذهبي إن مذهبي»

وقول سهل بن هرون:

فوا حسرتا حتّى متى القلب موجعبفقد حبيب أو تعذّر إفضال
فراق حبيب مثله يورث الأسىوخلة حر لا يقوم لها مالى

وقال آخر:

شبه الغيث فيه والليث والبدر فسمح ومحرب وجميل

وقلت:

كيف أسلو وأنت حقف وغصنوغزال لحظا وردفا وقدّا

وقال آخر:

فألقت قناعا دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين كفّ ومعصم

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.