من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
من عيوب القسمة
وكان يعجب أيضا بهذا البيت ويقول: لو أدركت زهيرا لولّيته القضاء لمعرفته.
ومن عيوب القسمة قول بعض العرب:
سقاه سقيتين الله سقياطهورا والغمام يرى الغماما
فقال: «سقيتين» ثم قال: «سقيا طهورا»، ولم يذكر الأخرى، وقيل: أراد فى الدنيا وفى الآخرة، وهذا مردود؛ لأن الكلام لا يدل عليه. وقول عبيد الله بن سليم:
فهبطت غيثا ما يفزّع وحشهمن بين مسرب ناوىء وكنوس
فقسم قسمة رديئة؛ لأنه جعل الوحش بين سمين وداخل فى كناسه. وكان ينبغى أن يقول: من بين سمين وهزيل، أو بين كانس وظاهر؛ ويجوز أن يكون السمين
كانسا وراتعا والكانس سمينا وهزيلا، وما أعرف لهذا شبها إلا قول كيسان حين سأل فقال: علقمة بن عبدة، جاهلى أو من بنى تميم؟
ومثله ما كتب بعضهم: فمن بين جريح مضرج بدمائه، وهارب يلتفت إلى ورائه؛ فالجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا؛ ولو قال: «فمن قتيل» لصح المعنى ومثله قول قيس بن الخطيم:
وسلوا ضريح الكاهنين ومالكاكم فيهما من دارع ونجيب
ليس النجيب من الدارع فى شىء.
وقريب منه قول الأخطل:
إذا التقت الأبطال أبصرت لونهمضيئا وأعناق الكماة خضوع
كان ينبغى أن يقول: وألوان الكماة كاسفة، و «مضيئة» مع «خضوع» ردىء جدا.
ومن القسمة الرديئة قول جرير:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهممن العبيد وثلث من موالينا
فأنشده ورجل من حنيفة حاضر، فقيل له: من أى قسم أنت. فقال: من الثلث الملغى ذكره.
ومن هذا الجنس ما ذكره قدامة أن ابن ميادة كتب إلى عامل من عماله هرب من صارفه: إنك لا تخلو فى هربك من صارفك أن تكون قدّمت إليه إساءة خفته معها، أو خشيت فى عملك خيانة رهبت بكشفه إياك عنها؛ فإن كنت أسأت
فأول راض سنة من يسيرها
وإن كنت خفت خيانة فلابد من مطالبتك بها.
فكتب العامل تحت هذا التوقيع: فى الأقسام ما لم يدخل فيما ذكرته، وهو أنى خفت ظلمه إياى بالبعد عنك، وتكثيره علىّ الباطل عندك؛ فوجدت الهرب إلى حيث يمكننى فيه دفع ما يتخرّصه أنفى للظّنة عنى، وبعدى عمّن لا يؤمن ظلمه أولى بالاحتياط لنفسى.
ومن القسمة الرديثة أيضا قول ابن القرّية: الناس ثلاثة؛ عاقل، وأحمق، وفاجر، فالفاجر يجوز أن يكون أحمق، ويجوز أن يكون عاقلا، والعاقل يجوز أن يكون فاجرا، وكذلك الأحمق.
وإذا دخل أحد القسمين فى الآخر فسدت القسمة، كقول أمية بن أبى الصلت»
لله نعمتنا تبارك ربّناربّ الأنام ورب من يتأبد
داخل فى الأنام من يتأبد.
وكذلك قول الآخر:
أبادر إهلاك مستهلكلمالى وإن عبث العابث
فعبث العابث داخل فى إهلاك المستهلك.
وكذلك قول الآخر:
فما برحت تومى إليك بطرفهاوتومض أحيانا إذا طرفها غفل
فتومى وتومض واحد.
وقول جميل:
لو كان فى قلبى كقدر قلامةحبّ وصلتك أو أتتك رسائلى
فإتيان الرسائل داخل فى الوصل.
ومن ذلك أيضا ما كتب بعضهم: ففكرت مرة فى عزلك، ومرة فى صرفك وتقليد غيرك.
وفى فصل آخر كتب هذا الرجل إلى عامل: فتارة تسرق الأموال وتختزلها، وتارة تقتطعها وتحتجبها. فمعنى الجزأين واحد.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع