من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
الفصل الثانى من الباب التاسع فى المطابقة
قد أجمع الناس أنّ المطابقة فى الكلام هى الجمع بين الشىء وضدّه فى جزء من أجزاء الرّسالة أو الخطبة أو البيت من بيوت القصيدة؛ مثل الجمع بين البياض والسواد، والليل والنهار، والحرّ والبرد.
وخالفهم قدامة بن جعفر الكاتب، فقال: المطابقة إيراد لفظتين متشابهتين فى البناء والصيغة مختلفتين فى المعنى، كقول زياد الأعجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهلوللّوم فيهم كاهل وسنام
وسمى الجنس الأول التكافؤ. وأهل الصنعة يسمّون النوع الذى سمّاه المطابقة التعطّف. قال: وهو أن يذكر اللفظ ثم يكرّره، والمعنى مختلف، وستراه فى موضعه إن شاء الله.
والطّباق فى اللغة: الجمع بين الشيئين؛ يقولون: طابق فلان بين ثوبين، ثم استعمل فى غير ذلك؛ فقيل: طابق البعير فى سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهو راجع إلى الجمع بين الشيئين. قال الجعدىّ:
وخيل تطابق بالدارعينطباق الكلاب يطأن الهراسا
وفى القرآن: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
، أى بعضهن فوق بعض؛ كأنه شبّه بالطّبق يجعل فوق الإناء؛ قال امرؤ القيس:
طبق الأرض تحرّى وتدرّ
وكل فقرة من فقر الظهر والعنق طبق، وذلك أن بعضها منضود على بعض.
فمما فى كتاب الله ﷿ من الطّباق قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.
وقوله تعالى: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
، أى من الكفر إلى الإيمان.
وقوله ﷿: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.
وقوله سبحانه: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
، وهذا على غاية التساوى والموازنة.
وقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ.
وقوله جلّ شأنه: وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً.
وقوله عزّ اسمه: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
وقوله سبحانه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ.
وقوله جل ذكره: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا.
وقد تنازع الناس هذا المعنى؛ قال ابن مطير:
تضحك الأرض من بكاء السماء
وقال آخر:
ضحك المزن بها ثمّ بكى
وقال آخر:
فله ابتسام فى لوامع برقهوله بكا من ودقه المتسرّب
وقال آخر:
لا تعجبى يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
فلم يقرب أحد من لفظ القرآن فى اختصاره وصفائه، ورونقه وبهائه، وطلاوته ومائه؛ وكذلك جميع ما فى القرآن من الطّباق.
ومما جاء فى كلام النبى ﷺ من الكلام المطابق قوله للأنصار:
«إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع». وقوله ﵊: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة»، يعنى عين الماء ينام صاحبها وهى تسقى أرضه. وقوله ﵊: «إيّاكم والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة».
ومن سائر الكلام قول الحسن: ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت. وقال أيضا رضى الله عنه: إنّ من خوّفك حتّى تبلغ الأمن خير ممن يؤمنك حيت تلقى الخوف. وقال أبو الدّرداء رضى الله عنه: معروف زماننا منكر زمان قد فات، ومنكره معروف زمان لم يأت. وقال بعضهم: ليت حلمنا عنك لايدعو جهل غيرنا إليك. وقال عبد الملك: ما حمدت نفسى على محبوب ابتدأته بعجز، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم. وقالوا: الغنى فى الغربة وطن، والفقر فى الوطن غربة. وقال أعرابى لرجل: إن فلانا وإن ضحك لك، فإنّه يضحك منك.
فإن لم تتخذه عدوّا فى علانيتك، فلا تجعله صديقا فى سريرتك. وقال علىّ رضى الله عنه: أعظم الذّنوب ما صغر عندك. وشتم رجل الشّعبىّ، فقال: إن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لى. وأوصى بعضهم غلاما، فقال: إنّ الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك. ونحوه قول الآخر: لا تتّكل على عذر منى فقد اتّكلت على كفاية منك. وقال الحسن: أما تستحيون من طول ما لا تستحيون! ونحوه قول الأعرابى: فلان يستحى من أن يستحى. وقال:
من خاف الله أخاف الله منه كلّ شىء، ومن خاف الناس أخافه الله من كلّ شىء.
وقيل لأبى داود- وابنته تسوس دابته- فى ذلك، فقال: كما أكرمتها بهوانى، معناه إن كانت تصوننى عن سياسة دابّتى وتتبذّل منى، فها إنى أصونها وأتبذّل دونها بالقيام فى أمر معاشها، وإصلاح حالها؛ فأخذ اللفظ بعضهم فقال فى السلطان:
أهين لهم نفسى لأكرمها بهمولن تكرم النفس التى لا تهينها
وقال بعضهم لعليل: إن أعلّك الله فى جسمك، فقد أصحّك من ذنوبك.
وقال بعضهم: الكريم واسع المغفرة؛ إذا ضاقت المعذرة.
وقال كثير بن هراسة يوما لابنه: يا بنىّ، إنّ من الناس ناسا ينقصونك إذا زدتهم، وتهون عليهم إذا أكرمتهم؛ ليس لرضاهم موضع فتقصده، ولا لسخطهم موقع فتحذره؛ فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فأبدلهم وجه المودة، وامنعهم موضع الخاصة؛ ليكون ما أبديت لهم من وجه المودة حاجزا دون شرّهم، وما منعتهم من موضع الخاصة قاطعا بحرمتهم.
وقال خالد بن صفوان لرجل يصف له رجلا: ليس له صديق فى السر، ولا عدوّ فى العلانية.
وقال آخر: فى العمل ما هو ترك للعمل، ومن ترك العمل ما هو أكثر العمل.
وقال آخر: إنّا لا نكافىء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وقال الحسن: كثرة النّظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب.
وقال سهل بن هرون: من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها.
وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إنّ من النّعمة على المثنى عليك ألا يخاف الإفراط، ولا يأمن التّقصير، ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به المدح إلى غاية إلّا وجد فى فضلك عونا على تجاوزها.
وفى الحديث: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى». وقال معاوية: ليس بين أن يملك الملك جميع رعيته أو يملكه جميعها إلا حزم، أو توان.
وقال بعضهم: إذا شربت النّبيذ فاشربه مع من يفتضح بك، ولا تشربه مع من تفتضح به.
وقال بعضهم: سوداء ولود خير من حسناء عقيم. وقال ابن السّماك للرشيد:
يا أمير المؤمنين؛ تواضعك فى شرفك أشرف من شرفك.
وقال ابن المعتز: طلاق الدّنيا مهر الآخرة. وقالوا: غضب الجاهل فى قوله، وغضب العاقل فى فعله.
وشرب أحدهم بحضرة الحسن بن وهب قدحا وعبس، فقال له: والله ما أنصفتها، تضحك فى وجهك، وتعبس فى وجهها!! وقال طاهر بن الحسين لابنه: التّبذير فى المال ذمّه حسب التقتير فيه، فاتّق التبذير، وإياك والتقتير. وقال أعرابى: أتيت بغداد فإذا ثياب أحرار على أجساد عبيد؛ إقبال حظّهم إدبار حظّ الكرم؛ شجر فروعه عند أصوله، شغلهم عن المعروف رغبتهم فى المنكر.
وقال أعرابىّ: الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما أخلف الله؛ فكم من منيّة علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت؛ وهذا مثل قول الشاعر:
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجدلنفسى حياة مثل أن أتقدّما
وقال آخر: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة. وقال بعضهم: وكان اعتدادى بذلك اعتداد من لا تنضب عنه نعمة تغمرك، ولا يمرّ عليه عيش يحلو لك.
وقال بعضهم: وكان سرورى بذلك سرور من لا تأفل عنه مسرّة طلعت عليك، ولا تظلم عليه محلة أنارت لك.
وقال المنصور: لا تخرجوا من عزّ الطاعة إلى ذلّ المعصية. ووصف أعرابى غلاما فقال: ساع فى الهرب، قطوف فى الحاجة.
وكتب سعيد بن حميد فى كتاب فتح: ظنّا كاذبا لله فيه حتم صادق، وأملا خائنا لله فيه قضاء نافذ.
وقال الأفوه الأودى: سهما تقرّ به العيون وإن كان قليلا خير مما وجلت به القلوب وإن كان كثيرا. ونحوه قول الشاعر:
ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
ومن الأشعار فى الطّباق قول زهير:
ليث بعثّر يصطاد الرّجال إذاما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا
وقول امرىء القيس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاكجلمود صخر حطّه السّيل من عل
وقول الطّفيل الغنوى يصف فرسا:
بساهم الوجه لم تقطع أباجلهيصان وهو ليوم الرّوع مبذول
وقول الآخر:
رمى الحدثان نسوة آل حرببمقدار سمدن له سمودا
فردّ شعورهنّ السّود بيضاوردّ وجوههنّ البيض سودا
وقال حسين بن مطير:
ومبتّلة الأرداف زانت عقودهابأحسن ممّا زيّنتها عقودها
بصفر تراقيها وحمر أكفّهاوسود نواصيها وبيض خدودها
وقال فى وصف السحاب:
وله بلا حزن ولا بمسرّةضحك يراوح بينه وبكاء
وقال آخر:
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءةلقد سرّنى أنّى خطرت ببالك
وقال النابغة:
وإن هبطا سهلا أثارا عجاجةوإن علوا حزنا تشظّت جنادل
وقال مسافع:
أبعد بنى أمّى أسرّ بمقبلمن العيش أو آسى على إثر مدبر
أولاك بنو خير وشرّ كليهماوأبناء معروف ألمّ ومنكر
وقال أوس بن حجر:
أطعنا ربنا وعصاه قومفذقنا طعم طاعتنا وذاقوا
وقال الفرزدق:
لعن الإله بنى كليب إنهملا يعذرون ولا يفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهموتنام أعينهم عن الأوتار
وقال امرؤ القيس:
بماء سحاب زلّ عن ظهر صخرةإلى بطن أخرى طيّب طعمه خصر
وقال النابغة:
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعدهولا يحسبون الشّرّ ضربة لازب
وقال بيهس بن عبد الحرث، يصف الشيب:
حتى كأنّ قديمه وحديثهليل تلفّع مدبرا بنهار
فطابق بين قديم وحديث، وليل ونهار؛ فأخذه الفرزدق، فقال:
والشّيب ينهض فى الشباب كأنّهليل يصيح بجانبيه نهار
طابق بين الشيب والشباب، والليل والنهار؛ وهذا أحسن من قول بيهس سبكا ورصفا، وفيه نوع آخر من البديع، وهو «يصيح بجانبيه نهاره» أخذه من قول الشماخ:
ولاقى بصحراء الإهالة ساطعامن الصبح لما صاح بالليل نفّرا
وقال أبو دواد قبله:
تصيح الرّدينيّات فى حجباتهمصياح العوالى فى الثّقاف المثقّب
وقال آخر:
تصيح الرّدينيّات فينا وفيهمصياح بنات الماء أصبحن جوّعا
وقال آخر فى صفة قوس:
فى كفّه معطية منوع
وقال آخر:
مرحت وصاح المرو من أخفافها
وقال آخر فى صفة ناقة:
خرقاء إلّا أنها صناع
وقال آخر:
فجاء ومحمود القرى يستفزّهإليها وداعى الليل بالصّبح يصفر
ومما فيه ثلاث تطبيقات قول جرير:
وباسط خير فيكم بيمينهوقابض شرّ عنكم بشماليا
فطابق بباسط وقابض، وخير وشر، ويمين وشمال؛ ومثله قول الآخر:
فلا الجود يفنى المال والجدّ مقبلولا البخل يبقى المال والجدّ مدبر
ومثله قول الآخر:
فسرّى كإعلانى وتلك سجيّتىوظلمة ليلى مثل ضوء نهاريا
ومما فيه طباقان، قول المتلمّس:
وإصلاح القليل بزيد فيهولا يبقى الكثير على الفساد
وقال أوس بن حجر:
فتحدركم عبس إلينا وعامروترفعنا بكر إليكم وتغلب
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمناوليس لهم عالين أمّ ولا أب
وقول قيس بن الخطيم:
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّمايرجّى الفتى كيما يضرّ وينفعا
وهذا تطبيق وتكميل، ومثله قول عدىّ بن الرّعلاء:
ليس من مات فاستراح بميتإنّما الميت ميّت الأحياء
فاستوفى المعنى فى قوله: ليس من مات فاستراح بميت، وكمّل فى قوله: إنما الميت ميت الأحياء؛ وقد طابق جماعة من المتقدمين بالشىء وخلافه على التقريب، لا على الحقيقة، وذلك كقول الحطيئة:
وأخذت أطرار الكلام فلم تدعشتما يضرّ ولا مديحا ينفع
والهجاء ضدّ المديح، فذكر الشتم على وجه التقريب؛ وهكذا قول الآخر:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةومن إساءة أهل السوء إحسانا
فجعل ضدّ الظلم المغفرة.
ومن المطابقة فى أشعار المحدثين، قول أبى تمام:
أصمّ بك الناعى وإن كان أسمعاوأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وقالوا: هذا أحسن ابتداء فى مرثية إسلامية؛ وقال أبو تمام أيضا:
وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدىوضرّت بك الأيام من حيث تنفع
وقد كان يدعى لابس الصّبر حازمافأصبح يدعى حازما حين يجزع
وقال سديف فى النّساء:
وأصحّ ما رأت العيون جوارحاولهن أمرض ما رأيت عيونا
وقال عمارة بن عقيل:
وأرى الوحش فى يمينى إذا ماكان يوما عنانه بشمالى
وقال أبو تمام:
فيم الشماتة إعلانا بأسد وغىأفناهم الصّبر إذا أبقاكم الجزع
فجاء بتطبيقتين فى مصراع.
وقال البحترى:
إن إيامه من البيض بيضما رأين المفارق السود سودا
وقال النّمرى:
ومنازل لك بالحمىوبها الخليط نزول
أيامهنّ قصيرةوسرورهنّ طويل
وسعودهنّ طوالعونحوسهنّ أفول
والمالكية والشّباب وقينة وشمول
وقال آخر:
براذين ناموا عن المكرمات فأيقظهم قدر لم ينم
فيا قبحهم فى الّذى خوّلواويا حسنهم فى زوال النّعم
وقال آخر:
أفاطم قد زوّجت من غير خبرةفتى من بنى العباس ليس بطائل
فإن قلت من آل النبىّ فإنهوإن كان حرّ الأصل عبد الشمائل
ونحوه فى معناه، لا فى التطبيق، قول على بن الجهم فى بعض بنى هاشم:
إن تكن منهم بلاشك فللعود قتار
ومثله:
فما خبث من فضّة بعجيب
ومثله:
لئيم أتاه اللؤم من عند نفسهولم يأته من عند أمّ ولا أب
وقول أبى تمام:
نثرت فريد مدامع لم تنظموالدمع يحمل بعض ثقل المغرم
وصلت نجيعا بالدموع فخدّهافى مثل حاشية الرّداء المعلم
أخذه من قول أبى الشّيص:
وصلت دما بالدمع حتّى كأنمايذاب بعينى لؤلؤ وعقيق
وقول أبى تمام:
جفوف البلى أسرعت فى الغصن الرطب
وقوله:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمتويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
وقول الآخر:
عجل الفراق بما كرهت وطالماكان الفراق بما كرهت عجولا
وأرى التى هام الفؤاد بذكرهاأصبحت منها فارغا مشغولا
وقال بكر بن النطّاح:
وكأن إظلام الدروع عليهمليل وإشراق الوجوه نهار
وقول أبى تمام:
أصبحت فى روضة الشّباب هشيماوغدت ريحه البليل سموما
شعلة فى المفارق استودعتنىفى صميم الفؤاد ثكلا صميما
غرّة مرة ألا إنما كنت أغر أيام كنت بهيما
دقة فى الحياة تدعى جلالامثل ما سمّى اللديغ سليما
وقول آخر:
فجلست منها قبلةلما رويت بها عطشت
وقلت:
إذا معشر فى المجد كانوا هواديافقيسوا به فى المجد عادوا تواليا
رأيت جمال الدّهر فيك مجددافكن باقيا حتى ترى الدّهر فانيا
وقلت:
قل لمن أدنيه جهدىوهو يقصينى جهده
ولمن ترضاه مولاك ولا يرضاك عبده
أمليح بمليح الشكل أن يخلف وعده
أم جميل بجميل الوجه أن ينقض عهده
ما الذى صدّك عنىليت ما صدّك صدّه
وقلت:
فلماذا أبيعه وبنفسى أشتريه
وقلت:
فى كلّ خلق خلّة مذمومةووراء كلّ محبّب مكروه
ومن عيوب التطبيق قول الأخطل:
قلت المقام وناعب قال النّوىفعصيت قولى والمطاع غراب
وهذا من غث الكلام وبارده، وقال:
كم جحفل طارت قدامى خيلهخلّفته يوم الوغى منتوفا
أعلمت نابك وهو رأس أنهسيكون بعدك حافرا ووظيفا
وقال آخر فى القاسم بن عبيد الله:
من كان يعلم كيف رقّة طبعههو مقسم أنّ الهواء ثخين
وقال أبو تمام:
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفاويا شبعى بمقدمه وريّى
وقال:
وإذ الصنع كان وحشا فملّيت برغم الزمان صنعا ربيبا
وقال:
قد لان أكثر ما تريد وبعضهخشن وإنى بالنجاح لواثق
وقوله:
لعمرى لقد حرّرت يوم لقيتهلو انّ القضاء وحده لم يبرّد
وقوله:
وإن خفرت أموال قوم أكفّهممن النيل والجدوى فكفّاه مقطع
وقوله:
يوم أفاض جوى أغاض تعزّياخاض الهوى بحرى حجاه المزبد
فجعل «الحجى» فى هذا البيت «مزبدا»، ولا أعرف عاقلا يقول: إن العقل يزبد؛ وليس المزبد هاهنا نعتا للبحرين؛ لأنه قال «بحرى حجاه المزبد»، فلو جعل «المزبد» نعتا للبحرين لقال المزبدين، وخوض الهوى بحر التعزى أيضا من أبعد الاستعارة.
ونحو منه قوله أيضا:
يا يوم شرّد يوم لهوى لهوهبصبابتى وأذلّ عزّ تجلّدى
وقوله:
غرض الظلام أو اعترته وحشةفاستأنست روعاته بسهادى
بل ذكرة طرقت فلما لم أبتباتت تفكر فى ضروب رقادى
أغرت همومى فاستلبن فصولهانومى ونمن على فضول وسادى
وهذه الأبيات مع قبح التطبيق الذى فى أولها، وهجنة الاستعارة لا يعرف معناها على حقيقته.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع