تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

الفصل التاسع فى المماثلة

المماثلة

المماثلة: أن يريد المتكلم العبارة عن معنى، فيأتى بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر، إلا أنه ينبىء إذا أورده عن المعنى الذى أراده، كقولهم: «فلان نقى الثوب»، يريدون به أنه لا عيب فيه. وليس موضوع نقاء الثوب البراء من العيوب، وإنما استعمل فيه تمثيلا.

وقول امرىء القيس:

ثياب بنى عوف طهارى نقيةوأوجههم عند المشاهد غرّان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إِن قوماً كنتم أمس دونهم»

وكذلك قولهم: «فلان طاهر الجيب»، يريدون أنه ليس بخائن ولا غادر.

وقولهم: فلان طيب الحجزة، أى عفيف. قال النابغة:

رقاق النعال طيّب حجزاتهميحيّون بالريحان يوم السباسب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وقال الأصمعى: إذا قالت العرب: الثوب والإزار؛ فإنهم يريدون البدن، وأنشد:

ألا أبلغ أبا حفص رسولافدى لك من أخى ثقة إزارى

وقالوا فى قول ليلى:

رموها بأثواب خفاف فلا ترىلها شبها إلا النعام المنفرا
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

أى رموها بأجسامهم وهى خفاف عليها. ووضع الثوب موضعا آخر فى قول الشاعر:

فتلك ثياب إبراهيم فينابواق ما دنسن ولا بلينا

ويقولون: فلان أوسع بنى أبيه ثوبا، أى أكثرهم معروفا، وفلان غمر الرداء، إذا كان كثير المعروف؛ قال كثير:

غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاعلقت لضحكته رقاب المال
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «إربع فحي معارف الأطلال»

وكذلك قولهم: فلان رحب الذراع، وفلان دنس الثوب؛ إذا كان غادرا فاجرا، قال الشاعر:

ولكننى أنفى عن الذمّ والدىوبعضهم للذم فى ثوبه دسم

ويقولون: دم فلان فى ثوب فلان، أى هو صاحبه. قال أبو ذؤيب:

تبرّأ من دمّ القتيل وبزّهوقد علقت دمّ القتيل إزارها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «هل الدهر إلا ليلة ونهارها»

هذيل تؤنث الإزار، أى علّقت دم القتيل هى، ورواه أبو عمرو الشيبانى وبزّه، بالرفع، أى وبزه إزارها وقد علقت دمه؛ ويقولون للفرس: إنه لطرب العنان؛ وللبعير: قد سفه جديله، والجديل: الزمام. وقال ذو الرمة:

وأشقر موشىّ القميص نصبتهعلى خضر مقلات سفيه جديلها

وفى القرآن: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً

، فمثّل العمل ثم إحباطه بالنّقض بعد الفتل.

وكذلك قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها.

وقوله ﷿: هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ.

وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ

فمثّل البخيل الممتنع من البذل بالمغلول، لمعنى يجمعهما، وهو أنّ البخيل لا يمدّ يده بالعطية فشبّهه بالمغلول. ويقولون: عركت هذه الكلمة بجنبى، إذا أغضيت عنها،

وفلان قد طوى كشحه عن فلان، إذا ترك مودّته وصحبته. ويقولون: كبا زند العدوّ، وصلف زنده، وأفل نجمه، وذهبت ريحه، وأطفئت جمرته، وأخلف نوءه، وأخلقت جدّته، وانكسرت شوكته، وكلّ حدّه، وانقطع بطانه، وتضعضع ركنه، وضعف عقده، وذلت عضده، وفتّ فى عضده، ورق جانبه، ولانت عريكته، يقال ذلك فيه إذا ولّى أمره؛ تمثيلا وتشبيها.

وقال النبى ﷺ: «إيّاكم وخضراء الدمن»، أراد المرأة الحسناء فى منبت السوء، فأتى بغير اللفظ الموضوع لها تمثيلا. وقال بعضهم: كنا فى رفقة فضللنا الطريق، فاسترشدنا عجوزا فقالت: استبطن الوادى، وكن سيلا حتى تبلغ.

وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر عن المأمون بعزله عن ديار مصر، وتسليم العمل إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد! فإن أمير المؤمنين قد رأى تولية إسحاق بن إبراهيم ما تتولاه من أعمال المعاون بديار مصر، وإنما هو عملك نقل منك إليك. فسلمه من يدك إلى يدك والسلام. واغتاب رجل رجلا عند سلم بن قتيبة، فقال له سلم: اسكت، فو الله لقد تلمّظت مضغة طالما لفظها الكرام.

ومن المنظوم قول طرفة:

أبينى، أفى يمنى يديك جعلتنىفأفرح أم صيّرتنى فى شمالك

أى أبينى منزلتى عندك أوضيعة هى أم رفيعة؛ فذكر اليمين وجعلها بدلا من الرفعة، والشمال وجعلها عوضا من الضّعة. وأخذه الرّمّاح بن ميّادة، فقال:

ألم تك فى يمنى يديك جعلتنىفلا تجعلنّى بعدها فى شمالكا
ولو أنّنى أذنبت ما كنت هالكاعلى خصلة من صالحات خصالكا

وقال آخر:

تركت الرّكاب لأربابهاوأكرهت نفسى على ابن الصّعق
جعلت يدى وشاحا لهوبعض الفوارس لا تعتنق

فقوله: جعلت يدى وشاحا تمثيل. وقول زهير:

ومن يعص أطراف الزّجاج فإنهيطيع العوالى ركبت كل لهذم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

أراد أن يقول: من أبى الصلح رضى بالحرب، فعدل عن لفظه، وأتى بالتمثيل؛ فجعل الزّج للصلح؛ لأنه مستقبل فى الصلح، والسنان للحرب لأن الحرب به يكون؛ وهذا مثل قولهم: من عصى الصوت أطاع السيف، ومنه قول امرىء القيس:

وما ذرفت عيناك إلّا لتضربىبسهميك فى أعشار قلب مقتّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فقال: بسهميك، وأراد العينين. وقال العباس بن مرداس:

كانوا أمام المؤمنين درّيةوالشمس يومئذ عليهم أشمس

أراد تلألؤ البيض فى الشمس، فكأن على كل رأس شمسا، وقال قدامة: من أمثلة هذا الباب قول الشاعر:

أوردتهم وصدور العيس مسنفةوالصّبح بالكوكب الدّرىّ منحور

وقال: قد أشار إلى الفجر إشارة إلى طريقه بغير لفظه. وليس فى هذا البيت إشارة إلى الفجر، بل قد صرّح بذكر الصبح، وقال: هو منحور بالكوكب الدرّى، أى صار فى نحره، ووضع هذا البيت فى باب الاستعارة أولى منه فى باب المماثلة.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.