من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
الفصل الحادى عشر فى المبالغة
المبالغة
المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر فى العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه؛ ومثاله من القرآن قول الله تعالى: يَوْمَ (تَرَوْنَها) تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
. ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة؛ وإنما خص المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، وأشغف به لقربه منها ولزومها له، لا يفارقها ليلا ولا نهارا، وعلى حسب القرب تكون المحبة والإلف؛ ولهذا قال امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعفألهيتها عن ذى تمائم محول
لما أراد المبالغة فى وصف محبّة المرأة له، قال: إنى أليتها عن ولدها الذى ترضعه لمعرفته بشغفها به، وشفقتها عليه فى حال إرضاعها إياه.
وقوله تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
، لو قال يحسبه الرائى لكان جيدا؛ ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن؛ لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص؛ وقد ذكرناه قبل. ومثل ذلك قول دريد بن الصّمة:
متى ما تدع قومك أدع قومىوحولى من بنى جشم فئام
فوارس بهمة حشد إذا مابدا حضر الحيّية والحذام
فالمبالغة الشديدة فى قوله: «الحيية». ومن المبالغة نوع آخر، وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عليها أجزأته فى غرضه منها، فيجاوز ذلك حتى يزيد فى المعنى
زيادة تؤكده، ويلحق به لاحقة تؤيده. كقول عمير بن الأهتم التغلبى:
ونكرم جارنا ما دام فيناونتبعه الكرامة حيث مالا
فإكرامهم الجار ما دام فيهم مكرمة، وإتباعهم إياه الكرامة حيث مال من المبالغة. وقول الحكم الخضرى:
وأقبح من قرد وأبخل بالقرىمن الكلب أمسى وهو غرثان أعجف
فالكلب بخيل على ما ظفر به، وهو أشد بخلا إذا كان جائعا أعجف. ومن هاهنا أخذ حماد عجرد قوله فى بشار:
ويا أقبح من قردإذا ما عمى القرد
وقول رواس بن تميم:
وإنّا لنعطى النّصف منّا وإننالنأخذه من كل أبلخ ظالم
المبالغة فى قوله: «أبلخ».
وقول أوس بن غلفاء الهجيمى:
وهم تركوك أسلح من حبارىرأت صقرا، وأشرد من نعام
فقوله: «رأت صقرا» من المبالغة.
وكتبت فى فصل إلى بعض أهل الأدب: قربك أحبّ إلىّ من الحياة فى ظل اليسر والسعة، ومن طول البقاء فى كنف الخفض والدّعة، ومن إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب، ومن شمول الخصب بعد عموم الجدب، وأقرّ لعينى من الظّفر بالبغية بعد إشرافى على الخيبة، وأسرّ لنفسى من الأمن بعد الخوف، والإنصاف بعد الحيف.
وأسأل الله أن يطيل بقاءك، ويديم نعماءك، ويرزقنى عدلك ووفاءك، ويكفينى نبوّك وجفاءك.
فقولى: «الحياة فى ظل اليسر والسعة». و «البقاء فى كنف الخفض والدعة».
وقولى: «إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب» وقولى: «الخصب بعد عموم الجدب»، وما بعده إلى آخر الفصول مبالغات.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع