من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ولهم فى التهنئة بالنيروز والمهرجان وفصل الربيع
هذا اليوم غرّة فى أيام الدهر، وتاج على مفرق العصر. أسعد الله مولانا بنوروزه الوارد عليه، وأعاده ماشاء وكيف شاء إليه. أسعد الله تعالى سيدنا بالنوروز الطالع عليه ببركاته، وأيمن طائره فى جميع أيامه ومتصرفاته؛ ولا يزال يلبس الأيام ويبليها وهو جديد، ويقطع مسافة نحسها وسعدها وهو سعيد. أقبل النيروز إلى سيدنا ناشرا حلله التى استعارها من شيمته، ومبديا حالته التى اتخذها من سجيته، ومستصحبا من أنواره ما اكتساه من محاسن فضله وإكرامه، ومن أنظاره ما اقتبسه من جوده وإنعامه. ويوكد الوعد بطول بقائه حتى يملّ العمر، ويستغرق الدهر. سيدنا هو الربيع الذى لا يذبل شجره، [ولا يزول سحره] ولا ينقطع ثمره، ولا يقلع غمامه، ولا تتبدّل أيامه؛ فأسعده الله تعالى بهذا
الربيع المتشبّه بأخلاقه، وإن لم ينل قدرها، ولم يحمل فضلها، ولم يجد بدّا من الإقرار بها. سيدنا هو الربيع الدى يتّصل مطره، من حيث يؤمن ضرره، ويدوم زهره، من حيث يتعجل ثمره؛ فلا زال آمرا ناهيا، قاهرا عاليا، تتهيّأ الأعياد بمصادفة سلطانه، وتستفيد المحاسن من رياض إحسانه. أسعد الله سيدنا بهذا النّوروز الحاضر، الجديد الناضر، سعادة تستمرّ له فى جميع أيامه على العموم دون الخصوص، لتكون متشابهات [فى اكتناف] المواهب لها، واتصال المسارّ فيها، لا يفرق إلا بمقدار يزيد التالى على الخالى، ويدرج الآنى على الماضى. عرّف الله سيدنا بركة هذا المهرجان، وأسعده فيه، وفى كل زمان وأوان، وأبقاه ما شاء فى ظلال الأمانى والأمان. هذا اليوم من محاسن الدهر المشهورة، وفضائل الأزمنة المذكورة، فلقّى الله تعالى سيدنا بركة وروده، وأجزل حظّه من أقسام سعوده، هذا اليوم من غرر الدهور، ومواسم السرور، معظّم فى الملك الفارسى، مستظرف فى الملك العربى؛ فوفر الله تعالى فيه على مولاى السعادات، وعرّفه فى أيامه البركات، على الساعات واللحظات
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع