من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
شج رَأسه فَمَرض ثمَّ شج بعْدهَا فصلح
وحَدثني أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبيد الله الدقاق، الْمَعْرُوف بِابْن العسكري، شيخ مجرب ثِقَة، كَانَ ينزل فِي درب الشاكرية من نهر الْمُعَلَّى، فِي الْجَانِب الشَّرْقِي من بَغْدَاد، فِي المذاكرة، قَالَ: كَانَ أبي إِذا جلس يفتش فِي دفاتره، وَأَنا صبي، أجيء فآخذ مِنْهَا الشَّيْء بعد الشَّيْء، أستحسنه، فألعب بِهِ.
وَكنت أرى فِي دفاتره دفترًا فِيهِ خطوط حمر، فأستحسنه وأطلبه فيمنعني مِنْهُ، حَتَّى بلغت مبلغ الرِّجَال.
فَجَلَسَ يَوْمًا يفتش كتبه، فَرَأَيْت الدفتر، فأغفلت أبي وأخذته، ففتحته أقرؤه، فَإِذا هُوَ مولدِي، وَقد عمله بعض المنجمين.
فَوجدت فِيهِ، أنني إِذا بلغت أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة، كَانَ عَليّ فِيهَا قطع.
فَالْتَفت أبي فَرَأى الدفتر معي، فصاح وَأَخذه مني، وَنظر إِلَى أَي مَوضِع
بلغت، فتوقف وَأخذ يضعف ذَلِك فِي نَفسِي لِئَلَّا أغتم.
وَمَضَت السنون، فَلَمَّا بلغت السّنة الَّتِي ذكرهَا المنجم، ركبت مهْرا لي، وَخرجت من دَار الضَّرْب، وَأبي فِيهَا، وَكَانَ إِلَيْهِ الْعيار، فبلغت إِلَى ساباط بدرب سِيمَا، بدرب الديزج.
فنفر الْمهْر من كلب كَانَ فِي الطَّرِيق رابضًا، فَضرب رَأْسِي حَائِطا كَانَ فِي الساباط، فَوَقَعت عَن الْمهْر مغشيًا عَليّ.
ثمَّ حملت إِلَى دَار الضَّرْب، وأحضر طَبِيب، وَقد انتفخ مَوضِع الضَّرْبَة من رَأْسِي إنتفاخًا عَظِيما، فَأَشَارَ بفصدي، ففصدت فَلم يخرج لي دم.
فَحملت إِلَى بيتنا، وَلم أَشك فِي أَنِّي ميت لشدَّة مَا لَحِقَنِي، فاعتللت، وضعفت نَفسِي خوفًا مِمَّا ذكرته من حكم المنجم.
فَكنت يَوْمًا جَالِسا مُسْتَندا إِلَى سَرِير، وَقد أَيِست من الْحَيَاة، إِذْ حَملتنِي عَيْنَايَ، فخفق رَأْسِي، فَضرب درابزين السرير، فشج الْموضع المنتفخ، فَخرج مِنْهُ أَرْطَال دم، فخف مَا بِي فِي الْحَال، فصلحت، وبرئت، وعشت إِلَى الْآن.
وَكَانَ لَهُ يَوْم حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وشهور، على مَا أَخْبرنِي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع