من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مَرِيض بالاستسقاء تشفيه أَكلَة جَراد
حَدثنِي بعض المتطببين بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مَنْصُور بن مَارِيَة، كَاتب أبي مقَاتل صَالح بن مرداس الْكلابِي، أَمِير حلب، وَكَانَ أَبُو مَنْصُور من رُؤَسَاء أهل الصراة الَّذين يضْربُونَ الْمثل بنعمتهم وترفههم، وَكَانَ ثِقَة أديبًا، وَقد شاهدته أَنا، وَلم أسمع مِنْهُ هَذِه الْحِكَايَة، قَالَ: أَخْبرنِي أحد شُيُوخنَا، قَالَ: كَانَ بعض أهلنا قد استسقى، فأيس من حَيَاته، وَحمل إِلَى بَغْدَاد، فشوور أهل الطِّبّ فِيهِ، فوصفوا لَهُ أدوية كثارًا، فعرفوا أَنه قد تنَاولهَا بأسرها،
فَلم تنجع، فأيسوا مِنْهُ، وَقَالُوا: لَا حِيلَة لنا فِي برئه.
فَلَمَّا سمع العليل ذَلِك، قَالَ لمن مَعَه: دَعونِي الْآن أتزود من الدُّنْيَا، وآكل مَا أشتهي، وَلَا تقتلوني قبل أَجلي بالحمية.
فَقَالُوا: كل مَا تُرِيدُ.
فَكَانَ يجلس على دكان بِبَاب الدَّار، وَمهما رأى مَا يجتاز بِهِ على الطَّرِيق، شراه، وَأكله.
فَمر بِهِ رجل يَبِيع جَرَادًا مطبوخًا، فَاشْترى مِنْهُ عشرَة أَرْطَال، وأكلها بأسرها.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، انحل طبعه، وتواتر قِيَامه، حَتَّى قَامَ فِي ثَلَاثَة أَيَّام أَكثر من ثلث مائَة مجْلِس، وَضعف، وَكَاد يتْلف.
ثمَّ انْقَطع الْقيام، وَقد زَالَ كل مَا فِي جَوْفه، وعادت بَطْنه إِلَى حَالهَا فِي الصِّحَّة، وثابت إِلَيْهِ قوته، وَبرئ.
فَخرج برجليه فِي الْيَوْم الْخَامِس، يتَصَرَّف فِي حَوَائِجه، فَرَآهُ أحد الطِّبّ، فَعجب من أمره، وَسَأَلَهُ عَن الْخَبَر، فَعرفهُ.
فَقَالَ: لَيْسَ من شَأْن الْجَرَاد أَن يفعل هَذَا، وَلَا بُد أَن يكون فِي الْجَرَاد الَّذِي فعل هَذَا خاصية، فَأحب أَن تدلني على الَّذِي باعك الْجَرَاد، فَلم يزَالُوا فِي طلبه حَتَّى وجدوه.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: من أَيْن لَك هَذَا الْجَرَاد؟ فَقَالَ: أَنا أصيده، وَأجْمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، وأطبخه، وأبيعه.
فَقَالَ: من أَيْن تصيده؟ فَذكر قَرْيَة بِالْقربِ من بَغْدَاد.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: أُعْطِيك دِينَارا، وَتَدَع شغلك، وتجيء معي إِلَى الْموضع.
قَالَ: نعم، فَخَرَجَا وَعَاد الطَّبِيب من غَد، فَذكر أَنه رأى الْجَرَاد يرْعَى فِي صحراء أَكثر نباتها حشيشة يُقَال لَهَا: مازريون، وَهِي دَوَاء الاسْتِسْقَاء.
وَإِذا دفع إِلَى العليل مِنْهَا وزن دِرْهَم، أسهله إسهالًا يزِيل الاسْتِسْقَاء، وَلَكِن لَا يُؤمن أَن لَا ينظبط، وَلَا يقف، فيقتله الذرب، والعلاج بهَا خطر جدا، وَهِي مَذْكُورَة فِي الْكتب الطبية، وَلكنهَا لفرط خطرها لَا يصفها الْأَطِبَّاء، فَلَمَّا وَقع الْجَرَاد على هَذِه الحشيشة، وانطبخت فِي معدته، ثمَّ طبخ الْجَرَاد، ضعف فعلهَا بطبخين اجْتمعَا عَلَيْهَا، وَقضى أَن تنَاولهَا هَذَا بالِاتِّفَاقِ، وَقد تعدلت بِمِقْدَار مَا يدْفع طبعه دفعا لَا يَنْقَطِع، فبرأ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع