تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْقطيعِي الطَّبِيب وذكاؤه وَمَكَارِم أخلاقه

وحَدثني أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي الْكَاتِب، قَالَ: رَأَيْت بِمصْر طَبِيبا مَشْهُورا يعرف بالقطيعي، وَكَانَ يُقَال: إِنَّه يكْسب فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم، من جرايات يجريها عَلَيْهِ قوم من رُؤَسَاء الْعَسْكَر، وَمن السُّلْطَان، وَمَا يَأْخُذهُ من الْعَامَّة.

قَالَ: وَكَانَ لَهُ دَار قد جعلهَا شبه البيمارستان، من جملَة دَاره، يأوي إِلَيْهَا ضعفاء الأعلة، يعالجهم، وَيقوم بأودهم وأدويتهم، وأغذيتهم، وَخدمَتهمْ، وَينْفق أَكثر كَسبه فِي ذَلِك.

قَالَ أَبُو الْحسن: فأسكت بعض فتيَان الرؤساء بِمصْر، وأسماه لي فَذهب عني اسْمه، وَكنت هُنَاكَ، فَحمل إِلَيْهِ أهل الطِّبّ، وَفِيهِمْ الْقطيعِي، فَأَجْمعُوا على مَوته، إِلَّا الْقطيعِي، وَعمل أَهله على غسله وَدَفنه.

فَقَالَ الْقطيعِي: دَعونِي أعَالجهُ، فَإِن برِئ، وَإِلَّا فَلَيْسَ يلْحقهُ أَكثر من الْمَوْت الَّذِي أجمع هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ.

فَخَلَّاهُ أَهله مَعَه، فَقَالَ؛ هاتم غُلَاما جلدا ومقارع، فَأتي بذلك.

فَأمر بِهِ فَمد، وَضرب عشر مقارع من أَشد الضَّرْب، ثمَّ جس مجسه، وضربه عشرا أُخْرَى شَدِيدَة أَيْضا، ثمَّ جس مجسه، وضربه عشرا أُخْرَى.

ثمَّ جس مجسه، وَقَالَ للطب: أَيكُون للْمَيت نبض يضْرب؟ فَقَالُوا: لَا.

قَالَ: فجسوا نبض هَذَا.

فجسوه، فَإِذا بِهِ يَتَحَرَّك، فَضرب عشر مقارع أُخْرَى، فصاح.

فَقطع الضَّرْب عَنهُ، فَجَلَسَ العليل يجس بدنه، ويتأوه، وَقد ثَابت إِلَيْهِ قوته.

فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: مَا تَجِد؟ قَالَ: أَنا جَائِع.

قَالَ: أطعموه السَّاعَة، فجاءوه بِمَا أكله، وقمنا وَقد رجعت قوته، وَبرئ.

فَقَالَ لَهُ الطِّبّ: من أَيْن لَك هَذَا؟ قَالَ: كنت مُسَافِرًا فِي قافلة فيهم أَعْرَاب يخفروننا، فَسقط مِنْهُم فَارس عَن فرسه، فأسكت، فَعمد شيخ مِنْهُم إِلَيْهِ، فَضَربهُ ضربا عَظِيما، فَمَا رفع عَنهُ الضَّرْب حَتَّى أَفَاق، فَعلمت أَن ذَلِك الضَّرْب جلب عَلَيْهِ حرارة أزالت سكتته.

فقست عَلَيْهِ أَمر هَذَا العليل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْعَاشِر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.