من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مَرِيض بالاستسقاء يبرأ بعد أَن طعم لحم أَفْعَى
وَحدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن طرطى الوَاسِطِيّ، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَليّ عمر بن يحيى الْعلوِي الْكُوفِي، قَالَ: كنت فِي بعض حججي فِي طَرِيق مَكَّة، فَاسْتَسْقَى رجل كَانَ مَعنا من أهل الْكُوفَة، وَثقل فِي علته.
وسل الْأَعْرَاب قطارًا من الْقَافِلَة كَانَ هَذَا العليل على جمل مِنْهُ، ففقد، وجزعنا عَلَيْهِ، وعَلى القطار، وَكُنَّا رَاجِعين إِلَى الْكُوفَة.
فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة، جَاءَ العليل إِلَى دَاري معافى، فَسَأَلته عَن قصَّته وَسبب عافيته.
فَقَالَ: إِن الْأَعْرَاب لما سلوا القطار، ساقوه إِلَى محلهم، وَكَانَ على فراسخ يسيرَة من المحجة، فأنزلوني، وَرَأَوا صُورَتي، فطرحوني فِي أَوَاخِر بُيُوتهم.
وتقاسموا مَا كَانَ فِي القطار، فَكنت أزحف وأتصدق من الْبيُوت مَا آكله، وتمنيت الْمَوْت، وَكنت أَدْعُو الله تَعَالَى بِهِ أَو بالعافية.
فرأيتهم يَوْمًا وَقد عَادوا من ركوبهم، وأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، فَقطعُوا رءوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوها.
فَقلت: هَؤُلَاءِ يَأْكُلُون هَذِه فَلَا تَضُرهُمْ بِالْعَادَةِ الَّتِي قد مرنوا عَلَيْهَا، ولعلي
إِذا أكلت مِنْهَا شَيْئا أَن أتلف فَأَسْتَرِيح مِمَّا أَنا فِيهِ.
فَقلت لبَعْضهِم: أَطْعمنِي من هَذِه الْحَيَّات، فَرمى إِلَيّ وَاحِدَة مِنْهَا مشوية، فِيهَا أَرْطَال، فَأَكَلتهَا بأسرها، وأمعنت، طلبا للْمَوْت، فأخذني نوم عَظِيم، فانتبهت وَقد عرقت عرقًا عَظِيما، فاندفعت طبيعتي، فَقُمْت فِي بَقِيَّة يومي وليلتي أَكثر من مائَة مجْلِس، إِلَى أَن سَقَطت طريحًا وجوفي يجْرِي.
فَقلت: هَذَا طَرِيق الْمَوْت، فَأَقْبَلت أَتَشهد، وأدعو الله تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة.
فَلَمَّا أَضَاء الصُّبْح، تَأَمَّلت بَطْني، فَإِذا هِيَ قد ضمرت جدا، وَزَالَ عَنْهَا مَا كَانَ بهَا، فَقلت: أَي شَيْء يَنْفَعنِي هَذَا، وَأَنا ميت؟ فَلَمَّا أضحى النَّهَار، انْقَطع الْقيام، وَوَجَبَت صَلَاة الظّهْر، فَلم أحس بِقِيَام، وجعت، فَجئْت لأزحف على الْعَادة، فَوجدت بدني خَفِيفا، وقوتي صَالِحَة، فتحاملت ومشيت، وَطلبت مِنْهُم مَأْكُولا فأطعموني، وقويت، وَبت فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة معافى لَا أنكر شَيْئا من أَمْرِي.
فأقمت أَيَّامًا، إِلَى أَن وثقت من نَفسِي بِأَنِّي إِن مشيت نجوت، فَأخذت الطَّرِيق مَعَ بَعضهم، إِلَى أَن صرت على المحجة، ثمَّ سلكتها، منزلا، منزلا، إِلَى الْكُوفَة مشيًا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع