من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن بن أبي عمر يحزن لمَوْت يزِيد المائي
حَدثنِي أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمَرْزُبَان الشِّيرَازِيّ الْكَاتِب: قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر الجعابي الْحَافِظ، قَالَ: دخلت يَوْمًا على القَاضِي أبي الْحُسَيْن بن أبي عمر، وَهُوَ مغموم، فَقلت: لَا يغم الله قَاضِي الْقُضَاة، مَا هَذَا الْحزن الَّذِي أرَاهُ بِهِ؟ قَالَ: مَاتَ يزِيد المائي.
فَقلت: يبقي الله قَاضِي الْقُضَاة، وَمن يزِيد المائي، حَتَّى إِذا مَاتَ اغتم عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاة، هَذَا الْغم كُله؟ فَقَالَ: وَيحك، مثلك يَقُول هَذَا فِي رجل كَانَ أوحد زَمَانه فِي صناعته، وَقد مَاتَ وَمَا ترك أحدا يُقَارِبه فِي حذقه، وَهل فَخر الْبلدَانِ إِلَّا بِكَثْرَة رُؤَسَاء الصَّنَائِع، وحذاق أهل الْعُلُوم فِيهَا؟ فَإِذا مضى رجل لَا مثيل لَهُ فِي صناعَة لَا
بُد للنَّاس مِنْهَا، فَهَل يدل هَذَا إِلَّا على نُقْصَان الْعَالم وانحطاط الْبلدَانِ.
ثمَّ أقبل يعدد فضائله، والأشياء الطريفة الَّتِي عالج بهَا، والعلل الصعبة الَّتِي زَالَت بتدبيره، فَذكر من ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة، مِنْهَا: قَالَ: أَخْبرنِي مُنْذُ مُدَّة رجل من جلة أهل الْبَلَد، أَنه كَانَ حدث بابنة لَهُ عِلّة طريفة، فكتمت أمرهَا، ثمَّ أطلع عَلَيْهَا أَبوهَا، فكتمها هُوَ مديدة، ثمَّ انْتهى أَمر الْبِنْت إِلَى حد الْمَوْت.
قَالَ: وَكَانَت الْعلَّة، أَن فرج الصبية كَانَ يضْرب عَلَيْهَا ضربانًا عَظِيما لَا تنام مَعَه اللَّيْل وَلَا النَّهَار، وتصرخ أعظم صُرَاخ، وَيجْرِي فِي خلال ذَلِك مِنْهُ دم يسير كَمَاء اللَّحْم، وَلَيْسَ هُنَاكَ جرح يظْهر، وَلَا ورم.
قَالَ: فَلَمَّا خفت المأثم، أحضرت يزِيد، فشاورته.
فَقَالَ: أتأذن لي فِي الْكَلَام، وتبسط عُذْري فِيهِ.
فَقلت لَهُ: نعم.
قَالَ: لَا يمكنني أَن أصف لَك شَيْئا، دون أَن أشاهد الْموضع بعيني، وأفتشه بيَدي، وأسائل الْمَرْأَة عَن أَسبَاب لَعَلَّهَا كَانَت الجالبة لِلْعِلَّةِ.
قَالَ: فلعظم الصُّورَة، وبلوغها حد التّلف، أمكنته من ذَلِك.
فَأطَال المسائلة، وحدثها بِمَا لَيْسَ من جنس الْعلَّة، بعد أَن جس الْموضع من ظَاهره، وَعرف بقْعَة الْأَلَم، حَتَّى كدت أَن أثب بِهِ، ثمَّ صبرت، وَرجعت إِلَى مَا أعرفهُ عَن سيرته، فَصَبَرت على مضض.
إِلَى أَن قَالَ: تَأمر من يمْسِكهَا، فَفعلت.
فَأدْخل يَده فِي الْموضع دُخُولا شَدِيدا، فصاحت الْجَارِيَة، وأغمي عَلَيْهَا، وانبعث الدَّم، وَأخرج يَده وفيهَا حَيَوَان أقل من الخنفساء، فَرمى بِهِ.
فَجَلَست الْجَارِيَة فِي الْحَال، وَقَالَت: يَا أَبَة، استرني، فقد عوفيت.
فَأخذ يزِيد الْحَيَوَان بِيَدِهِ، وَخرج من الْموضع، فلحقته، فأجلسته.
وَقلت: أَخْبرنِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِن تِلْكَ المسائلة الَّتِي لم أَشك من أَنَّك أنكرتها، إِنَّمَا كَانَت لأطلب دَلِيلا أستدل بِهِ على سَبَب الْعلَّة.
إِلَى أَن قَالَت لي الصبية: إِنَّهَا فِي يَوْم من الْأَيَّام، جَلَست فِي بَيت دولاب الْبَقر، فِي بُسْتَان لكم، ثمَّ حدثت الْعلَّة بهَا، من غير سَبَب تعرفه، فِي غَد ذَلِك الْيَوْم.
فتخيلت أَنه قد دب فِي فرجهَا من القراد الَّذِي يكون على الْبَقر، وَفِي بيُوت الْبَقر قراد، قد تمكن من أول دَاخل الْفرج، فَكلما امتص الدَّم من مَوْضِعه ولد الضربان، وَأَنه إِذا شبع، خف الضربان، لانْقِطَاع مصه، ونقط من الْجرْح الَّذِي يمتص مِنْهُ إِلَى خَارج الْفرج.
فَقلت: أُدخل يَدي، وأفتش.
فأدخلت يَدي، فَوجدت القراد كَمَا حدست، فَأَخْرَجته، وَهَذَا هُوَ الْحَيَوَان، وَقد تَغَيَّرت صورته لِكَثْرَة مَا امتص من الدَّم، مَعَ طول الْأَيَّام.
قَالَ: فتأملنا الْحَيَوَان، فَإِذا هُوَ قراد، وبرئت الْمَرْأَة.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَلم يذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه هَذَا الْخَبَر، وَلَعَلَّه اعْتقد أَنه مِمَّا لَا يجب إِدْخَاله فِيهِ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع