تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

ومما جاء في الحنين إلى الوطن

أما محبة الوطن فمستولية على الطباع مستدعية أشد الشوق إليها. روي أن أبان قدم على النبي ﷺ فقال يا أبان كيف تركت مكة؟ قال: تركت الأذخر وقد أعذق والنمام وقد أورق، فاغرورقت عينا رسول الله ﷺ، وقال بلال رضي الله تعالى عنه:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبواد وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنّةوهل يبدون لي شامة وطفيل

وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى بلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة.

ومن حب الوطن:

ما حكي أن سيدنا يوسف ﵊ أوصى بأن يحمل تابوته إلى مقابر آبائه، فمنع أهل مصر أولياءه من ذلك، فلما بعث موسى ﵊ وأهلك الله تعالى فرعون لعنه الله حمله موسى إلى مقابر آبائه، فقبره بالأرض المقدسة.

وأوصى الإسكندر رحمه الله تعالى أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلاد الروم حبا لوطنه.

واعتل سابور ذو الأكتاف وكان أسيرا ببلاد الروم، فقالت له بنت الملك، وكانت قد عشقته، ما تشتهي؟

قال: شربة من ماء دجلة وشمة من تراب اصطخر، فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب وقالت له: هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك، فشرب واشتم بالوهم فنفعه من علته.

وقال الجاحظ: كان النفر في زمن البرامكة إذا سافر أحدهم أخذ معه من تربة أرضه في جراب يتداوى به، وما أحسن ما قال بعضهم:

بلاد ألفناها على كلّ حالةوقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
ونستعذب الأرض التي لا هوى بهاولا ماؤها عذب ولكنّها وطن

ووصف بعضهم بلاد الهند، فقال: بحرها در وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر. وقال عبد الله بن سليمان في نهاوند: أرضها مسك، وترابها الزعفران، وثمارها الفاكهة، وحيطانها الشهد. وقال الحجاج لعامله على أصبهان: قد وليتك على بلدة حجرها الكحل، وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران. وكان يقال: البصرة خزانة العرب وقبة الإسلام لانتقال قبائل العرب إليها واتخاذ المسلمين بها وطنا ومركزا. وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما سواها بادية. وأنا أقول مصر كنانة الله في أرضه والسلام.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخمسون فيما جاء في الأسفار والاغتراب وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الإقامة بدار الهوان وحب الوطن والحنين إليه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.