من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
ومما قيل في الوداع والفراق والشوق والبكاء
قال جرير:
لو كنت أعلم أن آخر عهدكميوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
وقيل لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان جدك صانعا في قوله فعلت ما لم أفعل؟ قال: كان يقلع عينيه حتى لا يرى مظعن أحبابه ثم أنشد يقول:
وما وجد مغلول بصنعاء موثقبساقيه من ماء الحديد كبول
قليل الموالي مسلم بجريرةله بعد نومات العيون ألبل
يقول له الحداد أنت معذبغداة غد أو مسلم فقتيل
بأكبر منّي لوعة يوم راعنيفراق حبيب ما إليه سبيل
وقال الشاعر:
وما أم خشف طول يوم وليلةببلقعة بيداء ظمآن صاديا
تهيم ولا تدري إلى أين تبتغيمولهة حزنا تجوز الفيافيا
أضرّ بها حر الهجير فلم تجدلغلّتها من بارد الماء شافيا
إذا أبعدت عن خشفها انعطفت لهفألفته ملهوف الجوانح طاويا
بأوجع مني يوم شدوّا حمولهمونادى مناد البين أن لا تلاقيا
وقال عبد العزيز الماجشون وهو من فقهاء المدينة: قال لي المهدي يا ماجشون ما قلت حين فارقت أحبابك؟ قال:
قلت يا أمير المؤمنين:
لله باك على أحبابه جزعاقد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا
ما كان والله شؤم الدهر يتركنيحتى يجرّعني من بعدهم جرعا
إن الزمان رأى إلف السرور لنافدبّ بالبين فيما بيننا وسعى
فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدافلا زيادة شيء فوق ما صنعا
فقال: والله لأعيننك فأعطاه عشرة آلاف دينار.
وقال آخر:
وقفت يوم النوى منهم على بعدولم أودّعهم وجدا وإشفاقا
إني خشيت على الأظعان من نفسيومن دموعي إحراقا وإغراقا
وقال عمر بن أحمد:
أنى الرحيل فحين جدّ ترحلتمهج النفوس له عن الاجساد
من لم يبت والبين يصدع قلبهلم يدر كيف تفتّت الاكباد
وحكى بعضهم قال: دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعرا فقلنا له: أحسنت، فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال: ألمثلي يقال أحسنت، ففررنا منه فقال: أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت فقولوا أحسنت وان أنا أسأت فقولوا أسأت. فرجعنا إليه فأنشد يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمووحمّلوها وسارت بالدمّى الإبل
وقلبّت بخلاف السجف ناظرهايرنو إلي ودمع العين ينهمل
وودعت ببنان زانه عنمناديت لا حملت رجلاك يا جمل
يا حادي العيس عرّج كي أودعهميا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقص مودّتهميا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا
فقلنا له: ماتوا. فقال: والله وأنا أموت! ثم شهق شهقة فإذا هو ميت رحمه تعالى.
وقال آخر:
لما علمت بأن القوم قد رحلواوراهب الدير بالناقوس مشتغل
شكبت عشري على رأسي وقلت لهيا راهب الدير هل مرّت بك الإبل
فحنّ لي وبكى ورقّ لي ورثىوقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل
إنّ الخيام التي قد جئت تطلبهمبالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا
وقال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى:
ما رحّلوا يوم ساروا البزّل العيساإلا وقد حملوا فيها الطواويسا
من كلّ فاتكة الألحاظ مالكةتخالها فوق عرش الدّر بلقيسا
إذا تمشت على صرح الزّجاج ترىشمسا على فلك في حجر إدريسا
أسقفة من بنات الروم عاطلةترى عليها من الأنوار ناموسا
وحشية ما لها أنس قد اتخذتفي بيت خلوتها للذكر ناووسا
إن او مأت تطلب الإنجيل تحسبهمقساقسا أو بطاريقا شماميسا
ناديت إذ رحلوا للبين ناقتهايا حادي العيس لا تحدو بها العيسا
غيّبت أجناد صبري يوم بينهمعلى الطريق كراديسا كراديسا
ساروا وأصبحت أنعي الربع بعدهمووالوجد في القلب لا ينفك مغروسا
وقال آخر:
ولما تبدتّ للرحيل جمالناوجدّ بنا سيّر وفاضت مدامع
تبدّت لنا مذعورة من خبائهاوناظرها باللؤلؤ الرطب دامع
أشارت بأطراف البنان وودّعتوأومت بعينيها متى أنت راجع
فقلت لها والله ما من مسافريسير ويدري ما به الله صانع
فشالت نقاب الحسن من فوق وجههافسالت من الطرف الكحيل مدامع
وقالت إلهي كن لي عليه خليفةفيا ربّ ما خابت لديك الودائع
وقال آخر:
يا راحلا وجميل الصبر يتبعههل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك دموعي وهي داميةولا وفي لك قلبي وهو يحترق
وقال البغدادي:
قالت وقد نالها للبين أوجعهوالبين صعب على الأحباب موقعه
إجعل يديك على قلبي فقد ضعفتقواه عن حمل ما فيه وأضلعه
واعطف عليّ المطايا ساعة فعسىمن شقه الهوى بالبين يجمعه
كأنني يوم ولّت حسرة وأسىغريق بحر يرى الشاطي ويمنعه
وقال ابن البديري:
قفا حاديا ليلى فإني وامقوتعجّلا يوما على من يفارق
وزمّا مطاياها قبيل مسيرهاليلتذ منها بالتزود عاشق
ولا تزجرا بالسوق أظعان عيسهافإن حبيبي للظعائن سائق
ولما التقينا والغرام يذيبناونحن كلانا في التفكر غارق
وقفنا ودمع العين يحجب بينناتسارقني في نظرة وأسارق
فلا تسألا ما حلّ بالبين بينناولا تعجبا أنّا مشوق وشائق
وقال أيضا:
تذكّرت ليلى حين شطّ مزارهاوعادت منازلها خليات بلقع
بكرت عليها والقنا يقرع القناوسمر العوالي للمنايا تشرّع
وخالفت لوامي عليها وعذّليوخالفت سهدي والخليّون هجّع
ولم أستطع يوم النوى ردّ عبرةفؤادي أسى من حرّها يتقطع
فقال خليلي إذ رأى الدمع دائمايفيض دما من مقلتي ليس يدفع
لئن كان هذا الدمع يجري صبابةعلى غير ليلى فهو دمع مضيّع
وقال آخر:
مددت إلى التوديع كفا ضعيفةوأخرى على الرمضاء فوق فؤادي
فلا كان هذا آخر العهد منكموولا كان ذا التوديع آخر زادي
وقال آخر:
ولما وقفنا للوداع عشيةوطرفي وقلبي دامع وخفوق
بكيت فأضحكت الوشاة شماتةكأني سحاب والوشاة بروق
ولمؤلفه رحمه الله تعالى:
يا سادة في سويد القلب مسكنكموفي منامي أرى أني أعانقهم
أو حشتمونا وعزّ الصبر بعدكمويا من يعزّ علينا أن نفارقهم
وقال آخر:
لو أنّ مالك عالم بذرى الهوىومحله من أضلع العشّاق
ما عذب العشّاق إلّا بالهوىوإذا استغاثوا غاثهم بفراق
وقال ابن الوردي:
دهرنا أضحى ضنيناباللقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عوديإجمعينا أجمعينا
وقال الشريف الرضي:
عللاني بذكرهم واسقيانيوامزجا لي دمعي بكأس دهاق
وخذا النوم من جفوني فإنيقد خلعت الكرى على العشّاق
وقال آخر عند ذلك:
قالوا أترقد إذ غبنا فقلت لهمنعم وأشفق من دمعي على بصري
ما حقّ طرف هداني نحو حسنكموأني أعذّبه بالدّمع والسهر
وقال الموصلي:
فسدت لطول بعادكم أحلامناوعقولنا وجفا الجفون منام
والطيف قد وعد الجفون بزورةيا حبّذا إن صحّت الأحلام
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع