تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

ومما جاء في ذم السفر

قيل لرجل: السفر قطعة من العذاب، فقال: بل العذاب قطعة من السفر، وقال بعضهم:

كل العذاب قطعة من السّفريا ربّ فارددنا على خير الحضر

وقيل لإعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم

الأوطان. ومرّ إياس بن معاوية بمكان، فقال: أسمع صوت كلب غريب، فقيل له: بم عرفت ذلك؟ قال:

بخضوع صوته، وشدة نباح غيره. وأراد أعرابي السفر، فقال لامرأته:

عدّي السنين لغيبتي وتصبّريوذري الشهور فإنّهنّ قصار

فأجابته:

فاذكر صبابتنا إليك وشوقناوارحم بناتك إنّهنّ صغار

فأقام وترك السفر. ويقال: رب ملازم لمهنته فاز ببغيته.

وقال ابن الهيثم:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلهاولكنّ أخلاق الرجال تضيق
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رأيت أبا إسحاق والفحل فوقه»

وفيما ذكرته كفاية، وأسأل الله التوفيق والهداية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الباب الحادي والخمسون في ذكر الغنى وحب المال والافتخار بجمعه

قال الله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا

وقيل: الفقر رأس كل بلاء وداعية إلى مقت الناس، وهو مع ذلك مسلبة للمروءة مذهبة للحياء، فمتى نزل الفقر بالرجل لم يجد بدا من ترك الحياء ومن فقد حياءه فقد مروءته، ومن فقد مروءته مقت، ومن مقت ازدري به، ومن صار كذلك كان كلامه عليه لا له.

وقال رسول الله ﷺ: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وفي الحديث: «لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه، ويؤدي به أمانته، ويستغني به عن خلق ربه».

وقال علي كرم الله تعالى وجهه: الفقر الموت الأكبر.

وقد استعاذ رسول الله ﷺ من الكفر والفقر وعذاب القبر.

وقيل: من حفظ دنياه حفظ الأكرمين دينه وعرضه.

قال الشاعر:

لا تلمني إذا وقيت الأواقيبالأواقي لماء وجهي واقي

وقال لقمان لابنه: يا بني أكلت الحنظل وذقت الصبر، فلم أر شيئا أمر من الفقر، فإن افتقرت فلا تحدث به الناس كيلا ينتقصوك، ولكن اسأل الله تعالى من فضله، فمن ذا الذي سأل الله فلم يعطه أو دعاه فلم يجبه أو تضرع إليه فلم يكشف ما به.

وكان العباس رضي الله تعالى عنه يقول: الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس، وهو عندهم أعذب من الماء وأرفع من السماء وأحلى من الشهد وأزكى من الورد، خطؤه صواب وسيئاته حسنات وقوله مقبول، يرفع مجلسه ولا يملّ حديثه، والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب، وأثقل من الرصاص، لا يسلم عليه إن قدم ولا يسأل عنه إن غاب، إن حضر أردوه، وإن غاب شتموه، وطن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة.

وقال بعضهم: طلبت الراحة لنفسي فلم أجد لها أروح من ترك ما لا يعنيها، وتوحشت في البرية فلم أر وحشة أقر من قرين السوء، وشهدت الزحوف وغالبت الأقران فلم أر قرينا أغلب للرجل من المرأة السوء، ونظرت إلى كل ما يذل القوي ويكسره فلم أر شيئا أذل له ولا أكبر من الفاقة.

وكل مقل حين يغدو لحاجةإلى كلّ ما يلقى من الناس مذنب
وكانت بنو عميّ يقولون مرحبافلما رأوني معدما مات مرحب

وقال آخر:

المال يرفع سقفا لا عماد لهوالفقر يهدم بيت العزّ والشرف

وقال آخر:

جروح الليالي ما لهنّ طبيبوعيش الفتى بالفقر ليس يطيب
وحسبك أنّ المرء في حال فقرهتحمّقه الأقوام وهو لبيب
ومن يغترز بالحادثات وصرفهايبت وهو مغلوب الفؤاد سليب
وما ضرّني إن قال أخطأت جاهلإذا قال كلّ الناس أنت مصيب

وقال آخر:

الفقر يزري بأقوام ذوي حسبوقد يسود بغير السيد المال
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

لعمرك إنّ المال قد يجعل الفتىسنيّا وأنّ الفقر بالمرء قد يزري
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وما رفع النفس الدنيّة كالغنىولا وضع النفس النفيسة كالفقر

وقال آخر:

إذا قلّ مال المرء لانت قناتهوهان على الأدنى فكيف الأباعد

وقال ابن الأحنف:

يمشي الفقير وكل شيء ضدهوالناس تغلق دونه أبوابها
وتراه مبغوضا وليس بمذنبويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروةخضعت لديه وحرّكت أذنابها
وإذا رأت يوما فقيرا عابرانبحت عليه وكشّرت أنيابها

وقال آخر:

فقر الفتى يذهب أنوارهمثل اصفرار الشمس عند المغيب
والله ما الإنسان في قومهإذا بلي بالفقر إلّا غريب

وقال آخر:

إن الدراهم في الموطن كلّهاتكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحةوهي السّلاح لمن أراد قتالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»

وقال آخر:

ما الناس إلّا مع الدنيا وصاحبهافكلّما انقلبت يوما به انقلبوا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لكل أمر جرى فيه القضا سبب»
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبتيوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «اعمل بدنياك واحذر من عواقبها»

وقال بعض الفرس: من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كذاب.

وقال الكناني:

أصبحت الدنيا لنا عبرةفالحمد لله على ذلكا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «خفض هداك الله من بالكا»
قد أجمع الناس على ذمّهاوما أرى منهم لها تاركا

وقال الزمخشري:

وإذا رأيت صعوبة في مطلبفاحمل صعوبته على الدينار
وابعثه فيما تشتهيه فإنهحجر يليّن قوّة الأحجار

قال الثوري رحمه الله تعالى: لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إليّ من أن أحتاج إلى لئيم.

وفي هذا المعنى قال الشاعر:

احفظ عرى مالك تحظى بهولا تفرّط فيه تبقى ذليل
وإن يقولوا باخل بالعطافالبخل خير من سؤال البخيل
واحفظ على نفسك من زلةيرى عزيز القوم فيها ذليل

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخمسون فيما جاء في الأسفار والاغتراب وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الإقامة بدار الهوان وحب الوطن والحنين إليه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.