تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

أما الكهانة

فكانت فاشية في الجاهلية حتى جاء الإسلام، فلم يسمع فيه بكاهن، وكان ذلك من معجزات النبوة وآياتها وللكهنة أخبار.

فمنهم: سطيح، ورد عليه عبد المسيح وهو يعالج الموت وأخبره على ما يزعمون بما جاء لأجله، وذلك أن الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح أعلم كسرى بذلك، فتصبّر كسرى تشجعا، ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ورؤساء مملكته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمع وزراءه ورؤساء مملكته فأخبرهم بالخبر، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران وارتجاس الإيوان فازدادوا غما على غمهم، فكتب كسرى كتابا إلى النعمان بن المنذر: أما بعد: فوجه إليّ رجلا عالما بما أريد أن أسأله عنه. فوجه إليه عبد المسيح الغساني، فقال له كسرى أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال:

ليخبرني الملك فإن كان عندي علم منه وإلا أخبرته بمن يعلمه به، فأخبره بما رآه الموبذان، فقال: علم ذلك عند كاهن يسكن مشارف الشام يقال له سطيح. قال: فأته فاسأله عما سألتك وائتني بالجواب، فركب عبد المسيح وتوجه إلى سطيح فوجده قد أشرف على الضريح، فسلم عليه وحياه ولم يخبر عبد المسيح بما جاء بسببه غير أنه أنشده شعرا يذكر فيه أنه جاء برسالة من قبل ملك العجم ولم يذكر له السبب فرفع رأسه، وقال: عبد المسيح على جمل يسيح إلى سطيح، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وفاض وادي سماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما ولا العجم لعبد المسيح مقاما، يرتفع أمر العرب وأظن أن وقت ولادة محمد قد اقترب، يملك منهم ملوكا وملكات بعدد الشرافات وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه، فثار عبد المسيح إلى راحلته وعاد فأخبر كسرى بذلك.

وحكي ... أن ربيعة بن مضر اللخمي رأى مناما هاله فأراد تفسيره فقال له أهل مملكته: ما يفسره لك إلّا شق وسطيح فأحضرهما، وقال لسطيح إني رأيت مناما هالني فإن عرفته فقد أصبت تفسيره، فقال: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض نهمة فأكل منها كل ذات جمجمة، فقال له الملك: ما أخطأت شيئا، ما تفسيره، قال: ليهبطن بأرضك الحبش وتملك ما بين أبين إلى جرش، فقال الملك: إن هذا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضي من السنين ثم يقتتلون بها أجمعين ويخرجون منها هاربين، قال: ومن ذا الذي يملك بعدهم؟

قال: أراه ذا يزن يخرج عليهم من عدن فما يترك منهم أحدا باليمن. قال الملك: فيدوم ذلك أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي من العلي، قال: وممن يكون هذا النبي؟ قال: من ولد عدنان بن فهر بن مالك بن النضر يكون في قومه الملك إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى المسيئون. قال: أو حق ما تخبر؟ قال: والشفق والقمر إذا اتسق أن ما أنبأتك به لحق. ثم دعا بشق فقال مثل ما قال سطيح.

ومن ذلك ما حكي أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن

عبد مناف إلى المفاخرة، فقال له هاشم: أفاخرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، فرضي أمية بذلك وجعل بينهما الخزاعي الكاهن حكما، فخبأوا له شيئا وخرجا إليه ومعهما جماعة من قومهما فقالوا: قد خبأنا لك خبيا فإن علمته تحاكمنا إليك، وإن لم تعلمه تحاكمنا إلى غيرك. فقال لقد خبأتم لي كيت وكيت، قالوا:

صدقت أحكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس أيهما أشرف بيتا ونسبا، فقال: والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو طائر وما اهتدى بعلم مسافر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر ولأمية أواخر، فأخذ هاشم الإبل ونحرها وأطعمها من حضر وخرج أمية إلى الشام وأقام بها عشر سنين، ويقال إنها أول عداوة وقعت بين بني هاشم وبني أمية.

وحكي ... أن هند بنت عتبة بن ربيعة كانت تحت الفاكه بن المغيرة وكان الفاكه من فتيان قريش وكان له بيت ضيافة خارجا عن البيوت تغشاه الناس من غير إذن، فخلا البيت ذات يوم واضطجع فيه هو وهند، ثم نهض لحاجة فأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه، فلما رأى هندا رجع هاربا، فلما نظره الفاكه دخل عليها فضربها برجله وقال لها: من هذا الذي خرج من عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا قط وما انتبهت حتى أنبهتني، قال: فارجعي إلى بيت أبيك وتكلم الناس فيها فقال أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك الكلام فإن يكن الرجل صادقا دسيّت عليه من يقتله لينقطع كلام الناس، وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن. فقالت له: لا والله ما هو علي بصادق.

فقال له: يا فاكه إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج أبوها في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة، فلما شارفوا البلاد قالوا: غدا نرد على هذا الرجل فتغيرت حالة هند فقال لها أبوها: إني أرى حالك قد تغير وما هذا إلا لمكروه عندك، فقالت: لا والله، ولكن أعرف أنكم تأتون بشرا يخطىء ويصيب ولا آمنه أن يسمني بسيما تكون علي سبّة. فقال لها:

لا تخشي فسوف أختبره، فصفر لفرسه حتى أدلى ثم أدخل في إحليله حبة حنطة وربطه فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم، ونحر لهم فلما تغدوا قال له عتبة: قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئة نختبرك بها، قال:

خبأتم لي ثمرة في كمرة. قال: إني أريد أبين من هذا.

قال: حبة بر في إحليل مهر، قال: فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يأتي إلى كل واحدة منهن ويضرب بيده على كتفها ويقول لها: انهضي حتى بلغ هندا فقال:

انهضي غير رسحاء ولا زانية وستلدين ملكا اسمه معاوية، فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها، فجذبت يدها من يده وقالت: إليك عني فو الله إني لأحرص أن يكون ذلك من غيرك. فتزوجها أبو سفيان فولدت منه أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الستون في الكهانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والطيرة والفراسة والنوم والرؤية وما أشبه ذلك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.