تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

وأما الطيرة

فقد كان ﷺ يحب الفأل ويكره الطيرة. وقيل: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: من عرض له من هذه الطيرة شيء، فليقل اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وعنه ﷺ أنه قال: ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له.

وعن ابن عباس ﵄ (رفعه): من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر.

وعن أبي هريرة ﵁: من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول أو أتى امرأته حائضا في دبرها فقد برىء مما نزل على محمد ﷺ.

وأنشد المبرد هذه الأبيات يقول:

لا يعلم المرء ليلا ما يصبّحهإلا كواذب ما يجري به الفال
والفال والزجر والكهان كلّهممضللون ودون الغيب أقفال

وقال لبيد:

لعمري ما تدري الطوارق بالحصىولا زاجرات الطير ما الله صانع

وقال آخر:

تعلّم أنّه لا طير إلّاعلى متطير وهو الثبور
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
بلى شيء يوافق بعض شيءأحايينا وباطله كثير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة

وكانت العرب تتطير بأشياء كثيرة منها العطاس. وسبب تطيرهم منه أن دابة يقال لها العاطوس كانوا يكرهونها وكانوا إذا أرادوا سفر خرجوا من الغلس والطير في أوكارها على الشجر فيطيرونها، فإن أخذت يمينا أخذوا يمينا وإن أخذت شمالا أخذوا شمالا. ومنه قول امرىء القيس:

وقد اغتدي والطير في وكناتهابمنجرد قيد الأوابد هيكل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
مكر مفر مقبل مدبر معاكجلمود صخر حطّه السيل من عل
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ولما رأينا المغربي بخدمة المؤيد»

والعرب أعظم ما يتطيرون منه الغراب، فالقول فيه أكثر من أن يطلب عليه شاهد ويسمونه حاتما لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير بصرا، وفيه يقول بعضهم:

إذا ما غراب البين صاح فقل لهترفّق رماك الله يا طير بالبعد
لأنت على العشّاق أقبح منظروأبشع في الأبصار من رؤية اللّحد
تصيح ببين ثم تعثر ماشياوتبرز في ثوب من الحزن مسودّ
متى صحت صحّ البين وانقطع الرجاكأنّك من يوم الفراق على وعد

وأعرض بعضهم عن الغراب وتطير بالإبل، وسبب ذلك لكونها تحمل أثقال من ارتحل. وفي ذلك قال بعضهم مفردا أجاد:

زعموا بأن مطيّهم سبب النوىوالمؤذنات بفرقة الأحباب

وقالوا: من تطير من شيء وقع فيه.

وحكي عن إبراهيم بن المهدي قال: أرسل إلى محمد بن زبيدة في ليلة من ليالي الصيف مقمرة يقول:

يا عم إني مشتاق إليك فاحضر الآن عندنا، فجئته وقد بسط له على سطح زبيدة وعنده سليمان بن أبي جعفر وجاريته نعيم فقال لها: غنينا شيئا فقد سررت بعمومتي فغنت وهي تقول هذه الأبيات:

همو قتلوه كي يكونوا مكانهكما فعلت يوما بكسرى مرازبه
بني هاشم كيف التواصل بينناوجند أخيه سيفه ونجائبه

قال: فغضب وتطير وقال لها ما قصتك ويحك انتبهي وغني ما يسرني. فغنت تقول:

كليب لعمري كان أكثر ناصراوأكثر حزما منك ضرّج بالدم

فقال لها: ويحك ما هذا الغناء في هذه الليلة غنيّ غيره فغنت تقول هذه الأبيات:

ما زال يعدو عليهم ريب دهرهمحتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
تبكي فراقهم عيني فأرّقهاإنّ التفرّق للمشتاق بكّاء

قال: فانتهرها وقال لها: قومي إلى لعنة الله فقالت:

والله يا مولاي لم يجر على لساني غير هذا وما ظننت إلا أنك تحبه. ثم إنها قامت من بين يديه وكان بين يديه قدح بلور وكان أبوه يحبه فأصابه طرف ردائها فانكسر. قال إبراهيم بن المهدي: فالتفت إلي وقال: يا عمي أرى أن هذا آخر أمرنا، فقلت: كلا بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك فسمعت هاتفا يقول: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ

. فقال لي: أسمعت ما سمعت يا عم؟

فقلت: ما سمعت شيئا وما هذا إلا توهم فإذا الصوت قد علا فقال: يا عم إذهب إلى بيتك فمحال أن يكون بعد هذا اجتماع. قال: فانصرفت من عنده وكان هذا آخر عهدي به.

وخرج أبو الشمقمق مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلد الموصل، فلما أراد الدخول إليها اندق لواؤه في أول درب منها فتطير لذلك فأنشده أبو الشمقمق يقول:

ما كان مندّق اللواء لريبةتخشى ولا أمر يكون مبذّلا
لكنّ هذا الرمح ضعّف متنهصغر الولاية فاستقلّ الموصلا

فسر خالد وأمر لأبي الشمقمق بعشرة آلاف درهم.

ودخل الحجاج الكوفة متوجها إلى عبد الملك فصعد المنبر فانكسر تحت قدمه فعلم أنهم قد تطيروا له بذلك، فالتفت إلى الناس قبل أن يحمد الله تعالى فقال: شاهت الوجوه وتبت الأيدي وبؤتم بغضب من الله إذا انكسر عود جذع ضعيف تحت قدم أسد شديد تفاءلتم بالشؤم، وإني على أعداء الله تعالى لأنكد من الغراب الأبقع وأشأم من يوم نحس مستمر، وإني لأعجب من لوط وقوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ

إليك، فأي ركن أشد من الله تعالى أو ما علمتم ما أنا عليه من التوجه إلى أمير المؤمنين وقد وليت عليكم أخي محمد بن يوسف وأمرته بخلاف ما أمر به رسول الله ﷺ معاذا في أهل اليمن فإنه أمره أن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أمرته أن يسيء إلى محسنكم وأن لا يتجاوز عن مسيئكم، وأنا أعلم أنكم تقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة، وأنا معجل لكم الجواب لا أحسن الله عليكم الخلافة، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.

وخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد فأول من استقبله أعور فضربه وأمر بحبسه، ثم ذهب للصيد فاصطاد صيدا كثيرا فلمّا عاد استدعى بالأعور فأمر له بمال فقال: لا حاجة لي به ولكن ائذن لي في الكلام، فقال: تكلم، فقال: أيها الملك إنك تلقيتني فضربتني وحبستني وتلقيتك

فصدت وسلمت فأينا أشأم صباحا على صاحبه؟ فضحك منه وأمر له بصلة.

وحكي أيضا أن صاحب قرطبة أصابه وجع فأمر بعض جواريه أن تغنيه ليلهو عن وجهه فقالت:

هذي الليالي علمنا أن ستطوينافشعشعينا بماء المزن واستقينا

قال: فتطير من ذلك وأمرها بالانصراف ولم يقم بعد ذلك غير خمسة أيام ومات.

وحكي: أن نور الدين محمودا وهمام الدين ركبا في يوم عيد وخرجا للتفرج، فتجاولا في الكلام ثم قال محمودا:

يا من درى هل نعيش إلى مثل هذا اليوم؟ فقال له همام الدين: قل هل نعيش إلى آخر هذا الشهر، فإن العام كثير.

قال: فأجرى الله على منطقهما ما كان مقدرا في الأزل فمات أحدهما قبل تمام الشهر ومات الآخر قبل تمام العام.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الستون في الكهانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والطيرة والفراسة والنوم والرؤية وما أشبه ذلك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.