تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

وأما الرؤيا

فقد قيل فيها أقاويل وهو أنهم قالوا: إن النوم هو اجتماع الدم وانحداره إلى الكبد، ومنهم من رأى أن ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح. ومنهم من زعم أن ما يجده الإنسان في نومه من الخواطر إنما هو من الأطعمة والأغذية والطبائع. وذهب جمهور الأطباء إلى أن الأحلام

من الأخلاط وأن ذلك بقدر مزاج كل واحد منها وقوته، فالذي يغلب عليه الصفراء يرى بحورا وعيونا ومياها كثيرة ويرى أنه يسبح ويصيد سمكا، ومن غلبت على مزاجه السوداء رأى في منامه أجداثا وأمواتا مكفنين بسواد وبكاء وأشياء مفزغة، ومن غلب على مزاجه الدم رأى الخمر والرياحين وأنواع الملاهي والثياب المصبغة.

والذي يقع عليه التحقيق أن الرؤيا الصالحة كما قد جاء جزء من ستين جزء من النبوة، وكان النبي ﷺ أول ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. والرؤيا على ضربين فمنهم من يرى رؤيا فتجيء على حالها لا تزيد ولا تنقص، ومنهم من يرى الرؤيا في صورة مثل ضرب له.

فمن ذلك ما حكي:

أن النبي ﷺ رأى في الجنة غرفا فقال: لمن هذه؟ فقيل لأبي جهل بن هشام فقال: ما لأبي جهل والجنة والله لا يدخلها أبدا. قال: فأتاه عكرمة ولده مسلما، فتأولها به وكذلك تأول في قتل الحسين لما رأى أن كلبا أبقع يلغ في دمه، وكان ذلك بعد رؤياه ﵊ بخمسين عاما.

وكذلك حين قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: «إني رأيت كأني رقيت أنا وأنت درجا في الجنة فسبقتك بدرجتين ونصف، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه:

يا رسول الله أقبض بعدك بسنتين ونصف.

ورأت عائشة رضي الله تعالى عنها سقوط ثلاثة أقمار في حجرتها فأولها أبوها بموته وموت النبي ﷺ وموت عمر رضي الله تعالى عنهما ودفنهم في حجرتها فكان الأمر كذلك.

وحكي: أن أم الشافعي رضي الله تعالى عنه لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من فرجها وانقض بمصر ثم تفرق في كل بلد قطعة، فأول بعالم يكون بمصر وينتشر علمه بأكثر البلاد فكان كذلك.

وحكي أيضا: أن عاملا أتى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت الشمس والقمر اقتتلا، فقال له عمر: مع من كنت؟ قال: مع القمر، فقال: مع الآية الممحوة والله لا وليت لي عملا فعزله. ثم اتفق أن عليا رضي الله تعالى عنه وقع بينه وبين معاوية ما وقع فكان ذلك الرجل مع معاوية.

وأما من مهر في تعبير الرؤيا فهو ابن سيرين. جاءه رجل فقال له: رأيت كأني أسقي شجرة زيتون زيتا، فاستوى جالسا فقال: ما التي تحتك؟ قال: علجة اشتريتها، وفي رواية جارية، وأنا أطأها فقال: أخاف أن تكون أمك فكشف عنها فوجدها أمه.

وجاءه رجل فقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به فروج النساء وأفواه الرجال، فقال له: أنت مؤذن تؤذن بالليل فتمنع الرجال والنساء من الأكل والوطء. وجاءه رجل فقال: رأيت جارة لي قد ذبحت في بيت من دارها، فقال: هي امرأة نكحت في ذلك البيت، وكانت امرأة لصديق ذلك الرجل فاغتم لذلك ثم بلغه أن الرجل قدم في تلك الليلة وجامع زوجته في ذلك البيت.

وجاءه رجل معه جراب فقال له: رأيت في النوم كأني أسد الزقاق سدا وثيقا شديدا، فقال له: أنت رأيت هذا؟

قال: نعم، فقال لمن حضره: ينبغي أن يكون هذا الرجل يخنق الصبيان وربما تكون في جرابه آلة الخنق، فوثبوا عليه وفتشوا الجراب فوجدوا فيه أوتارا وحلقا فسلموه إلى السلطان.

وجاءته امرأة وهو يتغدى فقالت له: رأيت في النوم كأن القمر دخل في الثريا، ونادى مناد من فوق أن ائت ابن سيرين فقصي عليه، فتقلصت يده وقال: ويلك كيف رأيت هذا؟ فأعادت عليه فقال لأخته: هذه تزعم أني أموت لسبعة أيام وأمسك يده على فؤاده وقام يتوجع ومات بعد سبعة أيام.

وجاءه رجل فقال: رأيت كأني آخذ البيض وأقشره فآكل بياضه وآلقي صفاره، فقال: إن صدق منامك فأنت نباش الموتى فكان ذلك.

وحكي: أن ابن سيرين رأى الجوزاء قد تقدمت على الثريا فجعل يوصي، وقال: يموت الحسن وأموت بعده.

وهو أشرف مني فمات الحسن ومات بعده بمائة يوم.

وحكي: أن رجلا رأى عيسى ﵇ فقال له:

يا نبي الله صلبك حق، قال: نعم، فعبره على بعضهم، فقال تكذب رؤياك بقوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ

. ولكن هو عائد على الرائي فكان كذلك.

وأتى ابنة مغيث آت في المنام فقال لها:

لك البشيرى بولدأشبه شيء بالأسد

إذا الرجال في كبد

تغالبوا على بلدكان له حظ الأسد

فولدت المختار بن أبي عبيد وذلك في عام الهجرة.

وقال رجل لسعيد بن المسيب: رأيت كأني بلت خلف المقام أربع مرات. قال: كذبت لست صاحب هذه الرؤيا، قال: هو عبد الملك، فقال: يلي أربعة من صلبه الخلافة.

وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: رأيت عليا رضي الله تعالى عنه في المنام فقال لي: ناولني كتبك فناولته إياها فأخذها وبددها فأصبحت أخا كآبة، فأتيت الجعد فأخبرته فقال: سيرفع الله شأنك وينشر علمك.

وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

من رآني في منامه فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: رأيت كأن رأسي قد قطع وأنا أنظر إليه فضحك رسول الله ﷺ وقال: بأي عين كنت تنظر إلى رأسك فلم يلبث رسول الله ﷺ أن توفي وأولوا رأسه بنبيه ونظره إليه باتباع سنته.

وقال رجل لعلي بن الحسين: رأيت كأني أبول في يدي، فقال: تحتك محرم فنظروا فإذا بينه وبين امرأته رضاع. وقال أبو حنيفة ﵁: رأيت كأني نبشت قبر رسول الله ﷺ فضممت عظامه إلى صدري فهالني ذلك فسألت ابن سيرين، فقال: ما ينبغي لأحد من أهل هذا الزمان أن يرى هذه الرؤيا، قلت: أنا رأيتها. قال: إن صدقت رؤياك لتحيين سنة نبيك ﷺ.

وقال النبي ﷺ الرؤيا الصالحة بشارة للمؤمن بما له عند الله من الكرامة في الدنيا والآخرة. وعن ابن عمر ﵄ قال: تضرعت إلى ربي سنة أن يريني أبي في النوم حتى رأيته وهو يمسح العرق عن جبينه، فسألته فقال: لولا رحمة الله لهلك أبوك. إنه سألني عن عقال بعير للصدقة، فسمع بذلك عمر بن عبد العزيز فصاح وضرب بيده على رأسه وقال: فعل هذا بالتقي الطاهر فكيف بالمقترف عمر بن عبد العزيز. ﵃ أجمعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم.

الباب الحادي والستون في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى بلوغ المقاصد والتيقظ والتبصر

الحيلة من فوائد الآراء المحكمة وهي حسنة ما لم يستبح بها محظور، وقد سئل بعض الفقهاء عن الحيل في الفقه فقال: علمكم الله ذلك فإنه قال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ

وكان ﷺ إذا أراد غزوة، ورّى بغيرها، وكان يقول: «الحرب خدعة».

ولما أراد عمر ﵁ قتل الهرمزان استسقى ماء فأتوه بقدح فيه ماء، فأمسكه في يده واضطرب فقال له عمر لا بأس عليك حتى تشربه، فألقى القدح من يده فأمر عمر بقتله: فقال: أو لم تؤّمني؟ قال: كيف أمنتك. قال: قلت لا بأس عليك حتى تشربه وقولك لا بأس عليك أمان ولم أشربه، فقال عمر: قاتلك الله أخذت مني أمانا ولم أشعر.

وقيل: كان دهاة العرب أربعة، كلهم ولدوا بالطائف:

معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع.

وكان يقال: الحاجة تفتح أبواب الحيل. وكان يقال:

ليس العاقل الذي يحتال للأمور إذا وقع فيها، بل العاقل الذي يحتال للأمور أن لا يقع فيها. وقال الضحاك بن مزاحم لنصراني: لو أسلمت، فقال: ما زلت محبا للإسلام إلا أنه يمنعني منه حبي للخمر، فقال: أسلم واشربها، فلما أسلم قال له: قد أسلمت، فإن شربتها حديناك وإن ارتددت قتلناك، فاختر لنفسك، فاختار الإسلام وحسن إسلامه، فأخذه بالحيلة.

وقيل: دليت من السماء سلسلة في أيام داود ﵊ عند الصخرة التي في وسط بيت المقدس، وكان الناس يتحاكمون عندها فمن مد يده إليها وهو صادق نالها ومن كان كاذبا لم ينلها إلى أن ظهرت فيهم الخديعة، فارتفعت، وذلك أن رجلا أودع رجلا جوهرة، فخبأها في مكانه في عكازة، ثم إن صاحبها طلبها من الذي أودعها عنده فأنكرها، فتحاكما عند السلسلة، فقال المدعي:

اللهم إن كنت صادقا فلتدن مني السلسلة، فدنت منه فمسها، فدفع المدعى عليه العكازة للمدعي وقال: اللهم إن كنت تعلم أني رددت الجوهرة إليه، فلتدن مني السلسلة، فدنت منه فمسّها، فقال الناس: قد سوت السلسلة بين الظالم والمظلوم، فارتفعت بشؤم الخديعة، وأوحى الله تعالى إلى داود ﵊: «أن احكم بين الناس بالبينة واليمين». فبقي ذلك إلى قيام الساعة.

وكان المختار بن أبي عبيدة الثقفي من دهاة ثقيف وثقيف دهاة العرب، قيل: أنه وجه إبراهيم بن الأشتر إلى حرب عبيد الله بن زياد، ثم دعا برجل من خواصه، فدفع إليه حمامة بيضاء وقال له: إن رأيت الأمر عليكم فأرسلها، ثم قال للناس: إني لأجد في محكم الكتاب، وفي اليقين والصواب أن الله ممدكم بملائكة غضاب صعاب، تأتي في صور الحمام تحت السحاب. فلما كادت الدائرة تكون على أصحابه عمد ذلك الرجل إلى الحمامة، فأرسلها، فتصايح الناس: الملائكة الملائكة وحملوا، فانتصروا وقتلوا ابن زياد.

وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: خرجت امرأتان ومعهما صبيان فعدا الذئب على صبي إحداهما فأكله، فاختصما في الصبي الباقي إلى داود ﵊ فقال: كيف أمركما؟ فقصتا عليه القصة، فحكم به للكبرى منهما، فاختصما إلى سليمان ﵊ فقال: ائتوني بسكين أشق الغلام نصفين لكل منهما نصف، فقالت الصغرى أتشقه يا نبي الله؟ قال: نعم، قالت: لا تفعل ونصيبي فيه للكبرى، فقال: خذيه، فهو ابنك، وقضى به لها.

وجاء رجل إلى سليمان بن داود ﵊، وقال: يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي، فلا أعرف السارق، فنادى الصلاة جامعة، ثم خطبهم وقال في خطبته: وإن أحدكم ليسرق أوز جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح الرجل رأسه، فقال سليمان:

خذوه، فهو صاحبكم.

وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة، وكان شابا جميلا، فأرسلت إليهما أن يحضرا عندها، فحضرا وجلست بحيث تراهما وتسمع كلامهما، فلما رأى المغيرة ذلك الشاب، وعاين جماله علم أنها تؤثره عليه، فأقبل على الفتى وقال: لقد أوتيت جمالا، فهل عندك غير هذا؟

قال: نعم. فعدد محاسنه ثم سكت. فقال له المغيرة:

كيف حسابك مع أهلك؟ قال: ما يخفى عليّ منه شيء وإني لأستدرك منه أدق من الخردل. فقال المغيرة: لكني أضع البدرة في بيتي، فينفقها أهلي على ما يريدون فلا أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها. فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إليّ من هذا الذي يحصي علي مثقال الذرة، فتزوجت المغيرة.

وبلغ عضد الدولة أن قوما من الأكراد يقطعون الطريق، ويقيمون في جبال شامخة ولا يقدر عليهم، فاستدعى بعض التجار ودفع إليه بغلا عليه صندوقان فيهما حلوى مسمومة كثيرة الطيب في ظروف فاخرة، ودنانير وافرة، وأمره أن يسير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية لإحدى نساء الأمراء، ففعل التاجر ذلك، وسار أمام القافلة، فنزل القوم، فأخذوا الأمتعة والأموال، وانفرد أحدهم بالبغل، وصعد به الجبل، فوجد به الحلوى، فقبح على نفسه أن ينفرد بها دون أصحابه، فاستدعاهم، فأكلوا على مجاعة، فماتوا عن آخرهم، وأخذ أرباب الأموال أموالهم.

وأتي لبعض الولاة برجلين قد اتهما بسرقة، فأقامهما بين يديه، ثم دعى بشربة ماء، فجيء له بكوز، فرماه بين يديه، فارتاع أحدهما وثبت الآخر، فقال للذي ارتاع: اذهب إلى حال سبيلك، وقال للآخر: أنت أخذت المال، وتلذذت به، وتهدده فأقر، فسئل عن ذلك، فقال: إن اللص قوي القلب، والبريء يجزع ولو تحرك عصفور لفزع منه.

وقصد رجل الحج، فاستودع إنسانا مالا، فلما عاد طلبه منه، فجحده المستودع، فأخبر بذلك القاضي أياسا، فقال: أعلم بأنك جئتني؟ قال: لا، قال: فعد إليّ بعد يومين، ثم إن القاضي إياسا بعث إلى ذلك الرجل، فأحضره، ثم قال له: إعلم أنه قد تحصلت عندي أموال كثيرة لأيتام وغيرهم وودائع للناس وإني مسافر سفرا بعيدا وأريد أن أودعها عندك لما بلغني من دينك وتحصين منزلك، فقال: حبا وكرامة. قال: فاذهب وهيىء موضعا للمال وقوما يحملونه، فذهب الرجل وجاء صاحب الوديعة، فقال له القاضي إياس: امض إلى صاحبك، وقل له إدفع إليّ مالي وإلا شكوكتك للقاضي أياس، فلما جاء، وقال له ذلك دفع إليه ماله واعتذر إليه، فأخذه وأتى إلى القاضي إياس وأخبره. ثم بعد ذلك أتى الرجل ومعه الحمالون لطلب الأموال التي ذكرها له القاضي، فقال له القاضي بعد أن أخذ الرجل ماله منه: بدا لي ترك السفر امض لشأنك لا أكثر الله في الناس مثلك.

ولما أراد شيرويه قتل أبيه ابرويز قال إبرويز للداخل عليه ليقتله: إني لأدلك على شيء فيه غناك لوجوب حقك عليّ. قال: وما هو؟ قال: الصندوق الفلاني فلما قتله وذهب إلى شيرويه وأخبره الخبر، فأخرج الصندوق فإذا فيه حق فيه حب، ورقعة مكتوب فيها: من تناول منه حبة

واحدة افتض عشرة أبكار. وكان لشيرويه غرام في الباه، فتناول منه حبة فهلك من ساعته، فكان أبرويز أول مقتول أخذ بثأره من قاتله.

ولما بايع الرشيد لأولاده الثلاثة بولاية العهد تخلف رجل مذكور من الفقهاء، فقال له الرشيد: لم تخلفت؟

فقال: عاقني عائق، فقال: اقرأوا عليه كتاب البيعة، فقال يا أمير المؤمنين: هذه البيعة في عنقي إلى قيام الساعة، فلم يفهم الرشيد ما أراد، وظن أنه إلى قيام الساعة يوم الحشر، وما أراد الرجل إلا قيامه من المجلس.

وقال المغيرة بن شعبة: لم يخدعني غير غلام من بني الحرث بن كعب، فإني ذكرت امرأة منهم لأتزوجها، فقال: أيها الأمير لا خير لك فيها، فقلت: ولم؟ قال:

رأيت رجلا يقبلها، فاعرض عنها، فتزوجها الفتى، فلمته، وقلت ألم تخبرني أنك رأيت رجلا يقبلها؟ قال: نعم رأيت أباها يقبلها. وأتى رجل إلى الأحنف، فلطمه، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: جعل لي جعل على أن ألطم سيد بني تميم، فقال: لست بسيدهم عليك بحارثة بن قدامة، فإنه سيدهم، فمضى إليه، فلطمه، فقطعت يده.

وقال الشعبي: وجهني عبد الملك إلى ملك الروم، فقال لي: من أهل بيت الخلافة أنت؟ قلت: لا، ولكني رجل من العرب، فكتب إلى عبد الملك رقعة ودفعها إليّ، فلما قرأها عبد الملك قال لي: أتدري ما فيها؟

قلت: لا، قال فيها: «العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف يولون أمرهم غيره». قال: أتدري ما أراد بهذا؟ قلت: لا، قال: حسدني عليك، فأراد أن أقتلك، فقلت: إنما كبرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يترك شيئا إلا سألني عنه، وأنا أجيبه، فبلغ ملك الروم ما قاله عبد الملك للشعبي.

فقال: لله أبوه ما عدا ما في نفسي.

ولما ولّى عبد الملك بن مروان أخاه بشرا الكوفة، وكان شابا ظريفا غزلا، بعث معه روح بن زنباع وكان شيخا متورعا، فثقل على بشر مرافقته، فذكر ذلك لندمائه، فتوصل بعض ندمائه إلى أن دخل بيت روح بن زنباع ليلا في خفية، فكتب على حائط قريب في مجلسه هذه الأبيات:

يا روح من لبنيّات وأرملةإذا نعاك لأهل المغرب الناعي
إن ابن مروان قد حانت منيّتهفاحتل بنفسك يا روح بن زنباع

فتخوف من ذلك وخرج من الكوفة، فلما وصل إلى عبد الملك أخبره بذلك، فاستلقى على قفاه من شدة الضحك، قال: ثقلت على بشر وأصحابه، فاحتالوا لك.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الستون في الكهانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والطيرة والفراسة والنوم والرؤية وما أشبه ذلك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.