من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الثاني في صفات النساء المحمودة
كتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب أن اخطب لعبد الملك بن مروان امرأة جميلة من بعيد، مليحة من قريب، شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، مؤاتية لبعلها. فكتب إليه قد أصبتها لولا عظم ثديها، فكتب إليه لا يكمل حسن المرأة حتى يعظم ثديها، فتدفي الضجيع، وتروي الرضيع.
وقال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان: صف لي أحسن النساء؟ قال: خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء الكعبين، ناعمة الساقين، ضخماء الركبتين، لفاء الفخذين، ضخمة الذراعين. رخصة الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين لمياء الشفتين بلجاء الجبين، شماء العرنين، شنباء الثغر، محلولكة الشعر، غيداء العنق، مكسرة البطن. فقال: ويحك وأين توجد هذه؟ قال:
تجدها في خالص العرب وفي خالص الفرس.
وقال حكيم: عليكم بمن تربت في النعيم ثم أصابتها فاقة فأثر فيها الغنى وأدبها الفقر: وقال رجل لخاطب: ابغ لي امرأة لا تؤنس جارا ولا توطن دارا، يعني لا تدخل على الجيران ولا تدخل الجيران عليها، وفي مثل هذه قال الشاعر:
هيفاء فيها إذا استقبلتها صلفعيطاء غامضة الكعبين معطار
خود من الخفرات البيض لم يرهابساحة الدار لا بعل ولا جار
وقال الأعشى:
لم تمش ميلا ولم تركب على جملولم تر الشمس إلّا دونها الكلل
وكانت امرأة عمران بن حطان من أجمل الناس وجها،
وكان هو من أقبح الناس وجها، فقال لها يوما: أنا وإياك في الجنة إن شاء الله تعالى، فقالت له: وكيف ذلك؟ فقال:
لأني أعطيت مثلك فشكرت وأعطيت مثلي فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة. وقال بعضهم: رأيت في طريق مكة أعرابية ما رأيت أحسن منها وجها، فقعدت أنظر إليها، وأتعجب من جمالها، فجاء شيخ قصير، فأخذ بردائها وسار بها ومضى فلقيتها مرة أخرى، فقلت لها: من هذا الشيخ؟ قالت: زوجي. قلت: كيف يرضى مثلك بمثله فأنشدت:
أيا عجبا للخود يجري وشاحهاتزف إلى شيخ بأقبح تمثال
دعاني إليه أنه ذو قرابةيعزّ علينا من بني العم والخال
وسمع بعضهم قائلا يقول:
ومن لا يرد مدحي فإن مدائحينوافق عند الأكرمين نوامي
نوافق عند المشتري الحمد بالندىنفاق بنات الحارث بن هشام
فقال: يا ابن أخي ما بلغ من نفاق بنات الحارث بن هشام؟ قال: كن من أجمل الناس وجوها وكان أبوهن إذا زوجهن يسوقهن ومهورهن إلى بعولتهن. فقال: يا ابن أخي لو فعل هذا إبليس ببناته لتنافست فيهن الملائكة المقربون.
وقال عبد الملك لابن أبي الرقاع كيف علمك بالنساء؟
قال: أنا والله أعلم الناس بهن، وجعل يقول:
قضاعية الكعبين كندية الحشاخزاعية الأطراف طائية الفم
لها حكم لقمان وصورة يوسفومنطق داود وعفة مريم
وقالوا: الوجه الحسن أحمر، وقد تضرب فيه الصفرة مع طول المكث في الكن والتضمخ بالطيب.
وقالوا: أن الوجه الرقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمّر وإذا فرق يصفر. ومنه قولهم: ديباج الوجه، يريدون تلونه من رقته، قال علي بن زيد في وصفه:
حمرة خلط صفرة في بياضمثل ما حاك حائك ديباجا
وقال علي بن عبد ربه:
بيضاء يحمر خداها إذا خجلتكما جرى ذهب في صفحتي ورق
وقالوا: إن الجارية الحسناء تتلون بتلون الشمس فهي بالضحى بيضاء وبالعشي صفراء فقال ذو الرمة:
بيضاء صفراء قد تنازعهالونان من فضّة ومن ذهب
قالوا: ليس المرأة الجميلة التي تأخذ ببصرك جملة على بعد فإذا دنت منك لم تكن كذلك، بل الجميلة التي كلما كررت بصرك فيها زادتك حسنا.
وقالوا: إن أردت أن ينجب ولدك فأغضبها ثم قع عليها قال الشاعر:
ممّن حملن به وهنّ عواقدحبك النطاق فعاش غير مهبّل
حملت به في ليلة مزورةكرها وعقد نطاقها لم يحلل
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع