من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الخامس في الطلاق وما جاء فيه
عن عبد الرحمن بن محمد بن أخي الأصمعي قال: قال عمي للرشيد في بعض حديثه: يا أمير المؤمنين بلغني إن رجلا من العرب طلق في يوم واحد خمس نسوة، قال:
وكيف ذلك، وإنما لا يجوز للرجل غير أربعة، قال يا أمير المؤمنين: كان متزوجا بأربعة فدخل عليهن يوما، فوجدهن متنازعات وكان شريرا، فقال: إلى متى هذا النزاع؟ ما أظن هذا إلا من قبلك يا فلانة لامرأة منهن اذهبي، فأنت طالق. فقالت له صاحبتها: عجلت عليها بالطلاق، ولو أدبتها بغير ذلك لكان أصلح، فقال لها:
وأنت أيضا طالق، فقالت له الثالثة: قبحك الله، فو الله لقد كانتا إليك محسنتين، فقال لها: وأنت أيضا أيتها المعددة أياديهما طالق، فقالت الرابعة، وكانت هلالية ضاق صدرك إلا أن تؤدب نساءك بالطلاق، فقال لها، وأنت طالق أيضا. فسمعته جارة له، فأشرفت عليه، وقالت له، والله ما شهدت العرب عليك، ولا على قومك بالضعف إلا لما بلوه منكم ووجدوه فيكم، أبيت إلا طلاق نسائك في ساعة واحدة، فقال لها، وأنت أيتها المتكلمة فيما لا يعنيك طالق إن أجازني بعلك، فأجابه زوجها: قد أجزت لك ذلك. فعجب الرشيد من ذلك.
وطلق رجل امرأته، فلما أرادت الارتحال قال لها:
اسمعي وليسمع من حضر، إني والله اعتمدتك برغبة وعاشرتك بمحبة ولم أجد منك زلة ولم يدخلني عنك ملة، ولكن القضاء كان غالبا. فقالت المرأة: جزيت من صاحب ومصحوب خيرا فما استقللت خيرك ولا شكوت ضيرك ولا تمنيت غيرك ولا أجد لك في الرجال شبيها وليس لقضاء الله مدفع ولا من حكمه علينا ممنع.
وقال رجل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء؟ فقال: يكفيه من ذلك عدد نجوم الجوزاء.
ذكر من طلق امرأته فتبعتها نفسه قال الهيثم بن عدي: كانت تحت ابن الغربان بن الأسود بنت عم له، فطلقها فتبعتها نفسه، فكتب إليها يعرض لها بالرجوع، فكتبت إليه تقول:
إن كنت ذا حاجة فاطلب لها بذلاإنّ الغزال الذي ضيّعت مشغول
فكتب إليها يقول:
إن كان ذا شغل فالله يكلؤهفقد لهونا به والحبل موصول
وقد قضينا من استظرافه وطراوفي الليالي وفي أيامها طول
وطلق الوليد بن يزيد زوجته سعدى، فلما تزوجت اشتد ذلك عليه وندم على ما كان منه، فدخل عليه أشعب فقال له: هل لك أن تبلغ سعدى عني رسالة ولك عشرة آلاف درهم، قال: أقبضنيها، فأمر له بها، فلما قبضها قال له:
هات رسالتك، قال ائتها، فأنشدها.
أسعدى هل إليك لنا سبيلولا حتّى القيامة من تلاق
بلى ولعلّ دهرا أن يؤاتيبموت من خليلك أو فراق
قال: فأتاها أشعب، فاستأذن عليها، فأذنت له، فدخل، فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ فقال:
يا سيدتي أرسلني الوليد إليك برسالة ثم أنشدها الشعر، فقالت لجواريها: عليكن بهذا الخبيث فقال: يا سيدتي إنه دفع إليّ عشرة آلاف درهم، فهي لك، وأعتقيني لوجه الله، فقالت: والله لا أعتقك أو تبلغ إليه ما أقول لك، قال: يا سيدتي فاجعلي لي جعلا قالت: لك بساطي هذا. قال: قومي عنه، فقامت، فأخذه، وألقاه على ظهره، وقال: هاتي رسالتك، فقالت:
أتبكي على سعدى وأنت تركتهافقد ذهبت سعدى فما أنت صانع
فلما بلّغه الرسالة ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأخذته كظمة فقال لأشعب: اختر مني إحدى ثلاث إما أن أقتلك، وأما أن أطرحك من هذا القصر. وأما أن ألقيك إلى هذه السباع فتفترسك، فتحير أشعب وأطرق مليا ثم قال: يا سيدي ما كنت لتعذب عينا نظرت إلى سعدى، فتبسم وخلّى سبيله.
وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه الفرزدق الشاعر طلق النّوار، ثم ندم على طلاقها. وقال:
ندمت ندامة الكسعي لماغدت مني مطلقة نوار
فأصبحت الغداة ألوم نفسيبأمر ليس لي فيه اختيار
وكانت جنّتي فخرجت منهاكآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت بها يمينيلكان عليّ للقدر الخيار
وممن طلّق امرأته، فتبعتها نفسه، فندم قيس بن ذريح، وكان أبوه أمره بطلاقها فطلقها، وندم على ذلك فأنشأ يقول:
فنى صبري وعاودني رداعيوكان فراق لبنى كالخداع
تكنّفني الوشاة فأزعجونيفيا للناس للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسيعلى أمر وليس بمستطاع
كمغبون يعضّ على يديهتبيّن غبنه عند البياع
وحدّث العتبي قال: جاء رجل بامرأة كأنّها برج من فضة إلى عبد الرحمن بن الحكم وهو على الكوفة، فقال: إن امرأتي هذه شجّتني فسألها عبد الرحمن، فقالت: نعم يا مولاي غير متعمدة لذلك، كنت أعالج طيبا فوقع الفهر من يدي على رأسه وليس عندي علم ولا يقوى بدني على القصاص، فقال للرجل: علام تمسكها، وقد فعلت بك ما أرى؟ فقال يا مولاي: إن صداقها علي أربعة آلاف درهم، ولا تطيب نفسي بفراقها. قال، فإن أعطيتك الأربعة آلاف درهم تفارقها. قال: نعم، قال: هي لك. قال: فهي إذن
طالق. فقال لها عبد الرحمن: إحبسي علينا نفسك، وأنشأ يقول:
يا شيخ يا شيخ من دلّاك بالغزلقد كنت يا شيخ عن هذا بمعتزل
رضت الصعاب فلم تحسن رياضتهافاعمد لنفسك نحو القرّح الذلل
والله ﷾ أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
وقد أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات. الأولى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
الآية، فكان من المسلمين من شارب، ومن تارك إلى أن شرب رجل، فدخل في الصلاة فهجر، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
، فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها حتى شربها عمر رضي الله تعالى عنه، فأخذ بلحي بعير وشج به رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر يقول:
وكائن بالقليب قليب بدرمن الفتيان والعرب الكرام
أيوعدني ابن كبشة أن سنحياوكيف حياة أصداء وهام
أيعجز أن يردّ الموت عنّيوينشرني إذا بليت عظامي
ألا من مبلغ الرحمن عنّيبأني تارك شهر الصيام
فقل لله يمنعني شرابيوقل لله يمنعني طعامي
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج مغضبا يجر رداءه، فرفع شيئا كان في يده، فضربه به، فقال: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: انتهينا انتهينا.
ومن الأخبار المتفق عليها في تحريمها قول سيدنا رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة مدمن خمر». وقوله ﷺ: «أول ما نهاني ربي بعد عبادة الأوثان عن شرب الخمر وملاحاة الرجال».
وممن تركها في الجاهلية عبد الله بن جدعان، وكان جوادا من سادات قريش، وذلك أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فضربه على عينه، فأصبحت عين أمية مخضرّة يخاف عليها الذهاب، فقال له عبد الله: ما بال عينك؟ فسكت، فألح عليه، فقال: ألست ضاربها بالأمس، فقال: أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه إلى هذا، لا أشربها بعد اليوم. ثم دفع له عشرة آلاف درهم، وقال:
الخمر عليّ حرام لا أذوقها بعد اليوم أبدا.
وممن حرمها في الجاهلية أيضا: قيس بن عاصم، وذلك أنه سكر ذات ليلة، فقام لابنته أو لأخته، فهربت منه، فلما أصبح سأل عنها فقيل له: أو ما علمت ما صنعت البارحة؟ فأخبر بالقصة، فحرم الخمر على نفسه.
وممن حرمها في الجاهلية أيضا: العباس بن مرداس، وقيس بن عاصم، وذلك أن قيسا شرب ذات ليلة، فجعل يتناول القمر ويقول والله لا أبرح حتى أنزله، ثم يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه، فلما أصبح وأفاق قال: مالي هكذا؟ فأخبروه بالقصة، فقال: والله لا أشربها أبدا. وقيل للعباس بن مرداس: لم تركت الشراب، وهو يزيد في سماحتك؟ فقال: أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم.
ودخل نصيب على عبد الملك بن مروان فأنشده، فأعجبه إنشاده وشعره ووصله، ثم دعا بالطعام، فطعم منه، فقال له عبد الملك: يا نصيب هل لك فيما ينادم عليه؟ قال يا أمير المؤمنين جلدي أسود وخلقي مشوه
ووجهي قبيح، وتكفيني مجالستك ومؤاكلتك، ولم يوصلني إلى ذلك إلا عقلي وأنا أكره أن يدخل عليه ما ينقصه، فأعجبه كلامه ووصله.
وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج في وفدة وفدها عليه: هل لك في الشراب؟ فقال يا أمير المؤمنين: لا خلاف لما أمرت ولكن أنا أمنع أهل عملي منه وأكره أن أمنعهم عن شيء ولا أمتنع منه.
وقال الله تعالى: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
. وقال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
. وقيل لأعرابي: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال:
لا أشرب ما يشرب عقلي.
وقال الضحاك بن مزاحم لرجل: ما تصنع بشرب النبيذ؟ قال: يهضم طعامي. قال: أما إنه يهضم من دينك وعقلك أكثر! قال ابن أبي أوفى لقومه حين نهوا عن الخمر:
ألا يا لقومي ليس في الخمر رفعةفلا تقربوا منها فلست بفاعل
فإنّي رأيت الخمر شيئا ولم يزلأخو الخمر دخّالا لشر المنازل
وقال الحسن: لو كان العقل يشترى لتغالي الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده، وقال ﵇: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنساء حبائل الشيطان، والخمر داعية إلى كل شر.
وقال بعضهم:
بلوت نبيذ الخمر في كل بلدةفليس لأخوان النبيذ حفاظ
إذا دارت الأرطال أرضوك بالمنىوإن فقدوها فالوجوه غلاظ
وقال الحكيم: إياك وإخوان النبيذ فبينما أنت متوج عندهم مخدوم مكرم معظم إذ زلت بك القدم، فجروك على شوك السلم، فاحفظ قول القائل فيه:
وكلّ أناس يحفظون حريمهموليس لأصحاب النبيذ حريم
فإن قلت هذا لم أقل عن جهالةولكنني بالفاسقين عليم
وللأعرج الطائي:
تركت الشعر واستبدلت منهإذا داعي صلاة الصبح قاما
وقال الصفدي:
دع الخمر فالراحات في ترك راحهاوفي كأسها للمرء كسوة عار
وكم ألبست نفس الفتى بعد نورهامدارع قار في مدار عقار
نكتة: اجتمع نصراني ومحدث في سفينة. فصب النصراني خمرا من زق كان معه في شربة وشرب، ثم صب فيها وعرض على المحدث فتناولها من غير فكر ولا مبالاة، فقال النصراني: جعلت فداءك إنما هي خمر.
قال: من أين علمت أنها خمر؟ قال: اشتراها غلامي من يهودي وحلف أنها خمر، فشربها المحدث على عجل، وقال للنصراني: يا أحمق نحن أصحاب الحديث نضعف مثل سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون أفنصدق نصرانيا عن غلامه عن يهودي، والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد.
ومن المجون في ذلك ما حكي أن سكرانا استلقى على طريق، فجاء كلب فلحس شفتيه، فقال: خدمك بنوك ولا عدموك، فبال على وجهه، فقال: وماء حارا أيضا بارك الله فيك، وقيل: حالة السكارى ثلاثة: قرد حرك رأسه فرقص، وكلب هارش فنبح، وحية زويت فنامت.
ومر عقال الناسك بمرداس بن خدام الأسدي، فاستسقاه لبنا، فصب له خمرا وعلاه بلبن فشربه، وسكر ولم يتحرك ثلاثة أيام فقال:
سقيت عقالا بالعشية شربةفمالت بعقل الكاهليّ عقالي
قرعت بأم الخلّ حبّة قلبهفلم ينتعش منها ثلاث ليالي
ويقال: الخمر مصباح السرور ولكنها مفتاح الشرور، اللهم تب علينا وعلى العصاة والمذنبين برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع