من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الأول في النكاح وفضله والترغيب فيه
قال الله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
الآية. وقال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
. وقال تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ
الآية.
وقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».
وقال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوار عندكم»، وقال رسول الله ﷺ: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». وقال ﷺ:
«سوداء ولود خير من حسناء عقيم».
وقال رسول الله ﷺ: «أحسن النساء بركة أحسنهن وجها وأرخصهن مهرا فينبغي للرجل إذا أراد أن يتزوج أن يرغب في ذات الدين وأن يختار الشرف والحسب».
كما حكي أن نوح بن مريم قاضي مرو أراد أن يزوج ابنته، فاستشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله يستفتونك وأنت تستفتيني! قال: لا بد أن تشير عليّ.
قال: إن رئيسنا كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الحسب والنسب، ورئيسكم محمد كان
يختار الدين، فانظر أنت بأيهم تقدي.
وقال رجل للحسن: إن لي ابنة فمن ترى أن أزوجها له؟
قال: زوجها ممن يتقي الله ﷿، فطن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وقيل لرجل من الحكماء: فلان يخطب فلانة، فقال:
أموسر من عقل ودين؟ فقالوا: نعم. قال: فزوجوه إياها.
ويستحب أن يختار البكر لقوله ﷺ: «عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواها وأنتق أرحاما». وقالوا: أشهى المطي ما لم يركب وأحب اللآلىء ما لم يثقب.
وأنشد بعضهم:
قالوا نكحت صغيرة فأجبتهمأشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبةنظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب
فأجابته إمرأة:
إنّ المطيّة لا يلذّ ركوبهاحتى تذلّل بالزّمام وتركبا
والدرّ ليس بنافع أربابهحتى يؤلّف بالنظام ويثقبا
قال خالد بن صفوان:
عليك إذا ما كنت في الناس ناكحابذات الثنايا الغرّ والأعين النجل
وقيل: استشار رجل داود ﵇ في التزويج، فقال له: سل سليمان وأخبرني بجوابه، فصادفه ابن سبع سنين وهو يلعب مع الصبيان راكبا قصبة فسأله: فقال:
عليك بالذهب الأحمر أو الفضة البيضاء، واحذر الفرس لا يضربك. فلم يفهم الرجل ذلك، فقال له داود ﵊: الذهب الأحمر البكر. والفضة البيضاء الثيب الشابة، ومن وراءهما كالفرس الجموح.
وقال رسول الله ﷺ: «تخيروا لنطفكم»، وقال ﷺ:
«انظر في أي شيء تضع ولدك، فطن العرق دساس». وقال ﵊: «إياكم إياكم وخضراء الدمن.
قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله ﷺ؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء.
وأنشدوا فيه:
إذا تزوّجت فكن حاذقاواسأل عن الغصن وعن منبته
وقال بعضهم:
وأوّل خبث الماء خبث ترابهوأول خبث القوم خبث المناكح
وعن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال:
«لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء فإن اللبن يعدي».
وقيل: إن جعفر بن سليمان بن علي عاب يوما على أولاده، وأنهم ليسوا كما يحب، فقال له ولده أحمد بن جعفر: إنك عمدت إلى فاسقات مكة والمدينة وإماء الحجاز فأوعيت فيهن نطفك ثم تريد أن ينجبن وإنما نحن كصاحبات الحجاز، هلا فعلت في ولدك ما فعل أبوك فيك حين اختار لك عقيلة قومها، فزوجها منك.
وأنشدوا:
صفات من يستحب الشرع خطبتهاجلوتها لأولي الألباب مختصرا
صبية ذات دين زانه أدببكر ولود حكت في نفسها القمرا
غريبة لم تكن من أهل خاطبهاتلك الصفات التي أجلو لمن نظرا
فيها أحاديث جاءت وهي ثابتةأحاط علما بها من في العلوم قرا
وقال آخر:
مطيّات السرور فويق عشرإلى العشرين ثم قف المطايا
فإن جزت المسير فسر قليلاوبنت الأربعين من الرزايا
وقال آخر:
فإيّاك إيّاك العجوز ووطأهافما هو إلّا مثل سمّ الأراقم
واعلم أن العيش كله مقصور على الحليلة الصالحة، والبلاء كله موكل بالقرينة السوء التي لا تسكن النفس إلى عشرتها ولا تقر العيون برؤيتها. وفي حكمة سليمان بن داود ﵉: المرأة العاقلة تعمر بيت زوجها، والمرأة السفيهة تهدمه.
وروي أنه لما حضر أبو طالب نكاح رسول الله ﷺ على خديجة بنت خويلد ﵂، ومعه بنو هاشم
ورؤساء مضر، خطب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح به برا وفضلا وكرما ومجدا ونبلا، فإن كان في المال قلّ، فالمال ظل زائل ورزق حائل، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل.
ولما خطب عمرو بن حجر الكندي إلى عوف بن محلم الشيباني ابنته أم إياس وأجابه إلى ذلك، أقبلت عليها أمها ليلة دخوله بها توصيها، فكان مما أوصتها به أن قالت: أي بنية إنك مفارقة بيتك الذي منه خرجت وعشّك الذي منه درجت إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة ليكون لك عبدا، واحفظي له خصالا عشرا يكن لك ذخرا، فأما الأولى والثانية، فالرضا بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم أنفه منك إلا أطيب الريح، وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن شدة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله والإرعاء على حشمه وعياله، وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمرا، ولا تفشي له سرا، فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما، والكآبة لديه إذا كان فرحا. فقبلت وصية أمها، فأنجبت وولدت له الحارث بن عمرو جد أمرىء القيس الملك الشاعر.
وعن الهيثم بن عدي الطائي عن الشعبي قال: لقيني شريح، فقال لي: يا شعبي عليك بنساء بني تميم، فإني رأيت لهن عقولا، فقلت وما رأيت من عقولهن؟
قال: أقبلت من جنازة ظهرا، فمررت بدورهن وإذا أنا بعجوز على باب دار وإلى جانبها جارية كأحسن ما رأيت من الجواري، فعدلت إليها، واستسقيت وما بي عطش.
فقالت لي: أي الشراب أحب إليك؟
قلت: ما تيسر.
قالت: ويحك يا جارية ائتيه بلبن، فإني أظن الرجل غريبا.
فقلت للعجوز: ومن تكون هذه الجارية منك؟
قالت: هي زينب بنت جرير إحدى نساء بني حنظلة. قلت: هي فارغة أم مشغولة؟
قالت: بل فارغة.
قلت: أتزوجينيها؟
قالت: إن كنت كفأ (ولم تقل كفوا)، وهي لغة بني تميم، فتركتها ومضيت إلى منزلي لأقيل فيه، فامتنعت مني القائلة، فلما صليت الظهر أخذت بيد إخواني من العرب الأشراف علقمة والأسود والمسيب، ومضيت أريد عمها، فاستقبلنا وقال: ما شأنك أبا أمية؟
قلت: زينب ابنة أخيك.
قال: ما بها عنك رغبة. فزوّجنيها، فلما صارت في حبالي ندمت وقلت أي شيء صنعت بنساء بني تميم، وذكرت غلظ قلوبهن. فقلت أطلقها، ثم قلت: لا، ولكن أدخل بها، فإن رأيت ما أحب وإلا كان ذلك. فلو شهدتني يا شعبي وقد أقبلت نساؤها يهدينها حتى أدخلت علي. فقلت: إن من السنّة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم ويصلي ركعتين. ويسأل الله تعالى من خيرها ويتعوذ من شرها، فتوضأت. فإذا هي تتوضأ بوضوئي وصليت فإذا هي تصلي بصلاتي، فلما قضيت صلاتي أتتني جواريها فأخذن ثيابي وألبسنني ملحفة قد صبغت بالزعفران فلما خلا البيت دنوت منها، فمددت يدي إلى ناصيتها، فقالت: على رسلك أبا أمية، ثم قالت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على محمد وآله، وأما بعد، فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأجتنبه. فإنه قد كان لك منكح في قومك ولي في قومي مثل ذلك، ولكن إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، وقد ملكت، فاصنع ما أمرك الله تعالى به، إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولك ولجميع المسلمين.
قال: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على محمد وآله أما بعد، فإنك قلت كلاما إن ثبتّ عليه يكن ذلك حظا لي، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وأكره كذا، وما رأيت من حسنة فابثثيها وما رأيت من سيئة فاستريها.
فقالت: كيف محبتك لزيارة الأهل؟ قلت: ما أحب أن يملّني أصهاري.
قالت: فمن تحب من جيرانك يدخل دارك آذن له، ومن تكرهه أكرهه.
قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء.
قال: فبت معها يا شعبي بأنعم ليلة، ومكثت معي حولا لا أرى منها إلا ما أحب، فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء، وإذا أنا بعجوز في الدار تأمر وتنهى، قلت: من هذه؟ قالوا فلانة أم حليلتك، قلت: مرحبا وأهلا وسهلا، فلما جلست أقبلت العجوز، فقالت:
السلام عليك يا أبا أمية.
فقلت: وعليك السلام ومرحبا بك وأهلا قالت: كيف رأيت زوجتك قلت: خير زوجة وأوفق قرينة لقد أدبت فأحسنت الأدب، وريضت فأحسنت الرياضة، فجزاكي الله خيرا.
فقالت: أبا أمية إن المرأة لا يرى أسوأ حالا منها في حالتين، قلت: وما هما؟ قالت: إذا ولدت غلاما أو حظيت عند زوجها، فإن رابك مريب فعليك بالسوط، فو الله ما حاز الرجال في بيوتهم أشر من الروعاء المدللة، فقلت. والله لقد أدبت، فأحسنت الأدب، وريضت فأحسنت الرياضة.
قالت: كيف تحب أن يزورك أصهارك؟ قلت:
ما شاءوا، فكانت تأتيني في رأس كل حول فتوصيني بتلك الوصية، فمكثت معي يا شعبي عشرين سنة لم أعب عليها شيئا، وكان لي جار من كندة يفزع امرأته ويضربها، فقلت في ذلك:
رأيت رجالا يضربون نساءهمفشلّت يميني يوم تضرب زينب
أأضربها من غير ذنب أتت بهفما العدل منّي ضرب من ليس يذنب
فزينب شمس والنساء كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وخطب الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم على ألفي ألف في السر وخمسمائة ألف في العلانية، فأجابه إلى ذلك، وحملها إلى العراق، فأقامت عنده ثمانية أشهر، فلما خرج عبد الله بن جعفر إلى عبد الملك بن مروان وافدا نزل بدمشق. فأتاه الوليد بن عبد الملك على بغلة، ومعه الناس، فاستقبله ابن جعفر بالترحيب فقال له الوليد: لكنك أنت لا مرحبا بك ولا أهلا، قال: مهلا يا ابن أخي، فلست أهلا لهذه المقالة منك، قال: بلى والله، وبشر منها، قال: وفيم ذلك؟
قال: لأنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب وسيدة نساء بني عبد مناف فعرضتها عبد ثقيف يتفخذها. قال: وفي هذا عتبت عليّ يا ابن أخي؟ قال: نعم، فقال عبد الله: والله ما أحق الناس أن لا يلومني في هذا إلا أنت وأبوك، لأن من كان قبلكم من الولاة كانوا يصلون رحمي ويعرفون حقي، وإنك وأباك منعتماني رفدكما حتى ركبني الدين أما والله لو أن عبدا حبشيا مجدعا أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوجتها منه إنما فديت بها رقبتي، فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه ومضى حتى دخل على عبد الملك، فقال: ما لك يا أبا عباس؟ قال: إنك سلطت عبد ثقيف وملكته حتى تفخذ نساء بني عبد مناف، فأدركت عبد الملك غيرة، فكتب إلى الحجاج يقسم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يطلقها ففعل. قال: ولم يكن يقطع الحجاج عنها رزقا ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا وما زال واصلا لعبد الله بن جعفر حتى مات. وما كان يأتي عليه حول إلا وعنده عير مقبلة من عند الحجاج عليها أموال وكسوة وتحف.
وحكي أن المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة سار إلى دير هند بنت النعمان وهي فيه عمياء مترهبة، فاستأذن عليها، فقالت: من أنت؟ قال: المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت:
ما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قالت: إنك لم تكن جئتني لجمال ولا مال، ولكنك أردت أن تتشرف في محافل العرب. فتقول: تزوجت بنت النعمان بن المنذر، وإلا فأي خير في اجتماع عمياء وأعور. وكان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قد تزوج عاتكة بنت عمرو بن نفيل، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان عبد الرحمن من أحسن الناس وجها وأبرّهم بوالديه. فلما دخل بها غلبت على عقله وأحبها حبا شديدا، فثقل ذلك على أبيه، فمر به أبو بكر يوما، وهو في غرفة له، فقال: يا بني إني أرى هذه المرأة قد أذهلت رأيك، وغلبت على عقلك، فطلقها، قال: لست أقدر على ذلك، فقال: أقسمت عليك إلا طلقتها، فلم يقدر على مخالفة أبيه فطلقها، فجزع عليها جزعا شديدا، وامتنع من الطعام والشراب، فقيل لأبي بكر أهلكت عبد الرحمن. فمر به يوما، وعبد الرحمن لا يراه وهو مضطجع في الشمس ويقول هذه الأبيات:
فوالله لا أنساك ما ذرّ شارقوما ناح قمريّ الحمام المطوّق
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلهاولا مثلها في غير شيء يطلّق
لها خلق عفّ ودين ومحتدوخلق سويّ في الحياء ومنطق
فسمعه أبوه فرّق له وقال له: راجعها يا بني، فراجعها، وأقامت عنده حتى قتل عنها يوم الطائف مع رسول الله ﷺ أصابه سهم فقتله. فجزعت عليه جزعا شديدا، وقالت ترثيه:
فآليت لا تنفكّ نفسي حزينةعليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا
فتى طول عمري ما أرى مثله فتىأكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضهاإلى القرن حتى يترك الرمح أحمرا
ثم تزوجها بعده عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، ودعا الناس إلى وليمته، فأتوه، فلما فرغ من الطعام، وخرج الناس قال له علي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام عاتكة حتى أهنيها، وأدعو لها بالبركة، فذكر عمر ذلك لعاتكة، فقالت: إن أبا الحسن فيه مزاح، فائذن له يا أمير المؤمنين، فأذن له، فرفع جانب الخدر، فنظر إليها فإذا ما بدا من جسدها مضمخ بالخلوق، فقال لها يا عاتكة:
ألست القائلة:
فآليت لا تنفك نفسي حزينةعليك ولا ينفك جلدي أغبرا
وقيل: إن عمر لما قتل عنها جزعت عليه جزعا شديدا، وتزوجت بعده الزبير بن العوام، وكان رجلا غيورا، وكانت تخرج إلى المسجد كعادتها مع أزواجها، فشق ذلك عليه، وكان يكره أن ينهاها عن الخروج إلى الصلاة لحديث رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» فعرض لها ليلة في ظهر المسجد وهي لا تعرفه، فضرب بيده عجيزتها ثم انصرف، فقعدت بعد ذلك عن الخروج إلى المسجد، وكان يقول لها: ألا تخرجين يا عاتكة؟ فتقول: كنا نخرج إذ الناس ناس وما بهم من باس، وأما الآن فلا. ثم قتل عنها الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو نائم، ثم تزوجها بعده محمد بن أبي بكر، فقتل عنها بمصر.
فقالت: لا أتزوج بعده أبدا إني لأحسبني أني لو تزوجت جميع أهل الأرض لقتلوا عن آخرهم.
وحكي عن الحارث بن عوف بن أبي حارثة أنه قال لخارجة بن سنان: أترى أخطب إلى أحد فيردني، قال:
نعم. قال: ومن هو؟ قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي. قال: اركب بنا إليه، فركبنا إليه حتى أتينا أوس بن حارثة في بلاده، فوجدناه في فناء منزله، فلما رأى الحارث بن عوف قال: مرحبا بك يا حارث. ثم قال:
ما جاء بك؟ قال: جئت خاطبا. قال: لست هناك.
فانصرف ولم يكلمه، فدخل أوس على امرأته مغضبا، فقالت له: من الرجل الذي سلم عليك، فلم تطل معه الوقوف ولم تكلمه؟ فقال: ذلك سيد العرب الحارث بن عوف، فقالت: فما لك لا تستنزله؟ قال: إنه استهجنني.
قالت: وكيف؟ قال: لأنه جاءني خاطبا، قالت: ألست تزعم أنه سيد العرب. قال: نعم. قالت: إذا لم تزوج سيد العرب في زمانه، فمن تزوج؟ قال: قد كان ذلك. قالت:
فتدارك ما كان منك، قال: فبماذا؟ قالت: بأن تلحقه فترده. قال: وكيف، وقد فرط مني إليه ما فرط. قالت:
تقول له إنك لقيتني وأنا مغضب لأمر، فلك المعذرة فيما فرط مني، فارجع ولك عندي كل ما طلبت، قال: فركب في أثرهما. قال خارجة بن سنان: فو الله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته، فقلت للحارث وهو ما يكلمني هذا أوس في أثرنا، فقال: ما أصنع به، فلما رآنا لا نقف قال:
يا حارث أربع عليّ. فوقفنا له. وكلمه بذلك الكلام.
فرجع مسرورا. قال خارجة بن سنان: فبلغني أن أوسا لما دخل منزله قال لزوجته: ادعي لي فلانة، أكبر بناته. فأتته.
فقال لها: أي بنية هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب جاءني خاطبا. وقد أردت أن أزوجك منه، فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأن في خلقي رداءة وفي لساني حدة، ولست بابنة عمه، فيراعي رحمي ولا هو بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره، فيطلقني. فيكون عليّ بذلك مسبة، قال لها: قومي بارك الله فيك، ثم دعا ابنته الأخرى، فقال لها مثل قوله لأختها، فأجابته بمثل جوابها، فقال لها:
قومي بارك الله فيك، ثم دعا بالثالثة، وكانت أصغرهن سنا، فقال لها مثل ما قال لأختيها، فقالت له: أنت وذاك، فقال لها: إني عرضت ذلك على أختيك، فأبتاه، ولم يذكر لها مقالتهما. فقالت: والله إني الجميلة وجها الرفيعة خلقا الحسنة رأيا، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه، فقال لها: بارك الله فيك. ثم خرج إليه، فقال: زوجتك يا حارث بابنتّي هئيسة، قال: قد قبلت نكاحها، وأمر أمها
أن تهيئها له، وتصلح شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، وأنزله إياه، ثم بعثها إليه، فلما دخلت عليه لبث هنيهة ثم خرج إليّ، فقلت له: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله، قلت له: وكيف ذلك؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت:
مه أعند أبي وأخوتي هذا، والله لا يكون. ثم أمر بالرحلة فارتحلنا بها معا وسرنا ما شاء الله. قال لي: تقدم، فتقدمت، فعدل عن الطريق، فما لبث أن لحقني، فقلت:
أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله، قلت ولم؟ قال: قالت تفعل بي كما يفعل بالأمة السبية الأخيذة لا والله حتى تنحر الجزر والغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل مثلك لمثلي، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلا، فقال: صدقت. قال:
أرجو الله أن تكون المرأة النجيبة، فوردنا إلى بلادنا، فأحضر الإبل والغنم ونحر وأولم ثم دخل عليها وخرج إليّ، فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله. قلت:
ولم ذاك؟ قال: دخلت عليها أريدها، فقلت لها: أحضرت من المال ما تريدين. قالت: والله لقد ذكرت من الشرف بما ليس فيك، قلت: ولم ذاك؟ قالت: أتستفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا، وكان ذلك في أيام حرب قيس وذبيان. قلت: فماذا تقولين؟ قالت: أخرج إلى القوم، فأصلح بينهم، ثم راجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد، فقلت: والله إني لأرى عقلا ورأيا سديدا، قال:
فاخرج بنا، فخرجنا حتى أتينا القوم، فمشينا بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحسبوا القتلى ثم تؤخذ الدية، فحملنا عنهما الديات فكانت ثلاثة الآف بعير، فانصرفنا بأجمل ذكر، ثم دخل عليها، فقالت له: أما الآن، فنعم، فأقامت عنده في ألذ عيش وأطيبه، وولدت له بنين وبنات وكان من أمرهما ما كان، والله أعلم بالصواب.
وحكى الفضل أبو محمد الطيبي قال: حدثنا بعض أصحابنا أن رجلا من بني سعد مرت به جارية لأمية بن خالد بن عبد الله بن أسد ذات ظرف وجمال، وكان شجاعا فارسا، فلما رآها قال: طوبى لمن كان له امرأة مثلك، ثم أتبعها رسولا يسألها ألها زوج ويذكره لها وكان جميلا، فقالت للرسول: وما حرفته، فأبلغه الرسول ذلك، فقال: ارجع إليها وقل لها:
وسائلة ما حرفتي قلت حرفتيمقارعة الأبطال في كل شارق
إذا عرضت خيل لخيل رأيتنيأمام رعيل الخيل أحمي حقائقي
أصبّر نفسي حين لم أر صابراعلى ألم البيض الرقّاق البوارق
فلحقها الرسول، فأنشدها ما قال، فقالت له: ارجع إليه وقل له أنت أسد، فاطلب لك لبوة، فلست من نسائك، وأنشدته تقول:
ألا إنما أبغي جوادا بمالهكريما محيّاه كثير الصدائق
فتى همّه مذ كان خود خريدةيعانقها في الليل فوق النمارق
وحدث يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن عبد الحكم عن الإمام الشافعي ﵁ قال: تزوج رجل امرأة جديدة على امرأة قديمة فكانت الجارية الجديدة تمر على بيت القديمة فتقول:
وما يستوي الرجلان رجل صحيحةوأخرى رمى فيها الزمان فشلّت
ثم تعود وتقول:
وما يستوي الثوبان ثوب به البلىوثوب بأيدي البائعين جديد
فمرت الجارية القديمة على باب الجديدة يوما وقالت:
نقّل فؤادك ما استطعت من الهوىما الحبّ إلّا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبدا لأوّل منزل
وقال عمرو بن العلاء، وكان أعلم الناس بالنساء:
فإن تسألوني بالنساء فإنّنيبصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ مالهفليس له في ودّهن نصيب
وسئل المغيرة بن شعبة عن صفة النساء فقال: بنات العم أحسن مؤاساة، والغرائب أنجب. وما ضرب رؤوس الأقران مثل ابن السوداء. وقال عبد الملك بن مروان: من أراد أن يتخذ جارية للمتعة، فليتخذها بربرية، ومن أراد أن
يتخذها للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية. قال الشاعر:
لا تشتمنّ امرأ ممّن يكون لهأمّ من الروم أو سوداء عجماء
فإنّما أمهات القوم أوعيةمستودعات وللأنساب آباء
وقال الأصمعي أتاني رجل من قريش يستشيرني في امرأة يتزوجها، فقلت: يا ابن أخي أقصيرة النسب أم طويلته؟ فلم يفهم عليّ، فقلت: يا ابن أخي: أما القصيرة النسب فالتي إذا ذكرت أباها اكتفت به، والطويلة النسب فهي التي لا تعرف حتى تطيل في نسبها، فإياك أن تقع مع قوم قد أصابوا كثيرا من الدنيا مع دناءة فيهم، فتضيع نسبك فيهم. وخرج رجل من أهل الكوفة في غزاة، فكسب جارية وفرسا وكان مملكا على ابنة عمه، فكتب إليها يعيرها ويقول:
إلا بلّغوا أمّ البنين بأنناغنينا وأغنتنا الغطارفة النجد
بعيد مناط المنكبين إذا جرىوبيضاء كالتمثال زيّنها العقد
فهذا لأيام العدو وهذهلحاجة نفسي حين ينصرف الجند
فلما ورد عليها كتابه وقرأته قالت يا غلام: هات الدواة، وكتبت جوابه تقول:
ألا فاقرء مني السلام وقل لهغنينا وأغنتنا الغطارفة المرد
إذا شئت أغناني غلام مرجّلونازعته في ماء معتصر الورد
وإن شاء منهم ناشىء مدّ كفهإلى عكن ملساء أو كفل نهدي
فما كنتم تقضون حاجة أهلكمشهودا فتقضوها على النأي والبعد
فعجّل إلينا بالسّراح فإنّهمنانا ولا ندعو لك الله بالرد
فلا قفل الجند الذي أنت فيهموزادك رب الناس بعدا على بعد
فلما ورد عليه كتابها لم يزد على أن ركب الفرس وأردف الجارية خلفه ولحق بابنة عمه، فكان أول شيء بدأها به بعد السلام أن قال لها: بالله عليك هل كنت فاعلة ذلك، فقالت له: الله في قلبي أعظم وأجل وأنت في عيني أذل وأحقر من أن أعصي الله فيك، فكيف ذقت طعم الغيرة، فوهب لها الجارية، وانصرف إلى الغزاة، والله تعالى أعلم بالصواب.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع