من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
كتاب البرصان
تقديم الطبعة الثانية
هذه هى الطبعة الثانية من كتاب «البرصان والعرجان» لشيخنا أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. وكان من المأمول في الطبعة الأولى أن أراقب طبعها وإخراجها وصنع فهارسها. ولكن شاء القدر ألا أراها إلا بعد أن ظهرت لى من وراء الغيب مطبوعة مفهرسة بيد غيرى في سلسلة منشورات وزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية. وهو أمر لم أصنعه ولم أعهده من قبل في جميع ما ظهر من كتبي المؤلفة أو المحققة. وقد ترتب على هذه الغربة التى طوّح فيها الكتاب أن تكثر أخطاء الطبع ويسوء الإخراج، ويشيع الخطأ والنقص كذلك في الفهارس التى أعدّها من صميم الأمانة في التحقيق.
ومع إيماني بأن الذين قاموا بإخراج الطبعة الأولى قد بذلوا كثيرا من الجهد في تصحيح تجارب الطبع وأنا لم آذن لهم به، إنّى أرانى قد طويت النفس على أسى عميق وأسف بالغ، وانتظرت على مضض منّى حتى تتاح لي فرصة إعادة الطبع.
وإني لسعيد اليوم إذ أتيح لي أن أخرج الطبعة الثانية التي باشرتها بنفسي كلمة كلمة وحرفا بحرف، وقمت بصنع فهارسها على الوجه الذي أرتضيه.
وعسى أن أكون قد وفقت فيما صنعت، وأنقذت هذا الكتاب الذي أعتز به وبإخراجه ليكون في ثوبه المرتضى، ونصابه الموثق المحقق.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وإليه أنبت.
عبد السلام محمد هارون مصر الجديدة في هـ- م.
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم كان ذلك منذ أكثر من عشرين عاما، حينما التقيت بالمغفور له الأستاذ العلامة حسن حسني عبد الوهاب التونسي الصمادحي وذلك في دار المعارف بالقاهرة، وجرى ذكر هذا الكتاب فوعدني بصورة منه، وحالت ظروفه دون إنجاز ما وعد.
وفي أثناء عملي بجامعة الكويت في سنة زارني في مكتبي المغفور له العلامة خير الدين الزركلي وجرى الحديث بيننا في شأن الكتاب، فأخبرني أنه يمتلك صورة مصغرة منه (ميكرو فيلم) وأنه يعتزم إهدائي هذه النسخة لأقوم بتحقيقها ونشرها. وما إن رجع إلى مقره في بيروت حتى أوفد فاضلا من أقربائه حاملا هذه الهدية الثمينة، فبادرت بتكبيرها، وعكفت على النظر فيها إلى أن تحين فرصة تحقيقها ونشرها.
وكنت بين الفينة والأخرى أراجع بعض نصوصها، وأحاول فتح أغلاقها، وهي النسخة الوحيدة المعروفة في العالم كله، التى تقيم الآن في مدينة «بزو» في مكتبة الزاوية العباسية بالمغرب الأقصى. ومنها نسخة مصورة في الخزانة العامة للكتب بمدينة الرباط برقم.
ومنذ عامين (في أوائل ديسمبر) تفضل المسئولون عن الثقافة في العراق الشقيق، بمكاتبتي لإعداد كتاب البخلاء للجاحظ ليكون هدية المهرجان في الاحتفال بالجاحظ رائدا للفكر العربى الموسوعي، في
غضون الأسبوع الأول من تشرين سنة وذلك بناء على نبأ يقول:
إننى قد عثرت على نسخة مخطوطة منه لم يرها أحد من قبل، وإننى عاكف على تحقيقها. فكتبت إليهم معتذرا بأن هذا الخبر محرف، وإنني «لم أعثر إلى الآن على مخطوطة جديدة للبخلاء، وأتمنى أن أعثر عليها، وإنما أعكف الآن على إكمال تحقيق كتاب البرصان والعرجان للجاحظ من نسخته الوحيدة في العالم كله، التى صدرت عنها طبعة مشوهة تشويها مبنيا على نقص الخبرة بقراءة المخطوطات، وعدم التمرس الكامل بأسلوب الجاحظ».
وذلك أن نسخة الكتاب، وطبيعة تأليفه، وندرة نصوصه، كل أولئك يلقي فوق كاهل الناظر فيه ما ينوء بحمله. وأشهد لقد كان مستوى الجهد الذي بذلته في تحقيق كل ما أخرجت من كتب شيخنا أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، أهون بكثير من هذا الجهد الجهيد الذي بذلته في تجلية كتابنا هذا، وذلك لما يطوي بين ثناياه من إشارات، وما يقتضى من تفسير وتوضيح ضنّ الجاحظ نفسه به على هذا الكتاب، الذي يقول فيه وفي أمثاله:
«وأنا أعلم أن عامّة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي لا يعرف معاني هذه الأشعار، ولا يفسر هذا الغريب. ولكني إن تكلفت ذلك ضعف مقدار كل كتاب منه. وإذا طال جدا ثقل. فقد صرت كأني إنما أكتبها للعلماء ».
ومن ثمّ كان إكبابي على إعداد نسختي هذه من البرصان ملتمسا عون الله وكان من المترقّب أن تظهر هذه النسخة في الأسبوع الأول من تشرين
الثاني سنة. ولكن الظروف التى طرأت من بعد حالت بين الكتاب ورؤية النور، ثم كان للكتاب أن يظهر في هذا الوقت الذي قدّره الله، وله الحمد والثناء.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع