تجاوز إلى المحتوى

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

ابن حناء

ومما يدلّ على افتخارهم بالبرص قول ابن حبناء واسمه المغيرة:

إنّي امرؤ حنظليّ حين تنسبنيلا ملعتيك ولا أخوالي ولا أخوالي العوق
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصةإنّ اللهاميم في أقرابها البلق
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة

فقول ابن حبناء وقول الحارث بن حلّزة يردّان على محمد بن سلّام ما قال.

وكان زياد الأعجم قد ألحّ على بنى الحبناء يهجوهم بالبرص.

فمن ذلك قوله:

عجبت لأبلق الخصيين عبدكأنّ عجانه الشّعرى العبور

فلما قيل له: قد رفعتهم يا أبا أمامة. قال: والله لأرفعنّهم أيضا.

فقال:

لا يبرح الدّهر منهم خارىء أبداإلّا حسبت على باب استه القمرا

والبياض والأوضاح تستعير ذكره العرب وتنقله في الأماكن. قال الرّعل ابن جبلة:

والناس كالخيل إن ذمّوا وإن مدحوافذو الشّيات كذا في النّاس أوضاح

يقولون: فرس كريم، وفرس جواد وفرس عتيق، وفرس رائع.

وليست هذه الأشياء الكريمة إلّا للإنسان والفرس.

وأصل البلق إنّما هو في الفرس. والعرب تستعير ذلك وتضعه في مواضع كثيرة. وقال الشاعر، وهو يريد بياض الصبح المخالط بسواد في بقيّة اللّيل:

جبسناهم حتى أضاء لنا [الدّجى]من الصّبح مشهور الشّواكل أبلق

وسمّوا أيضا قصر السّموءل بن عاديا: «الأبلق». قالوا ذلك حين كان بني بالحجارة البيض والسّود، قال الأعشى:

بالأبلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير غدّار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»

وقال السموءل بن عاديا:

وبالأبلق الفرد بيتي بهوبيت المصير سوى الأبلق

وقال خالد بن يزيد بن معاوية:

إنّى أرقت لعارض متألقليل التّمام وليته لم يألق
ما إن ينام ولا ينيم كأنّهبلقاء تضرب عن فلوّ أبلق

وأنشدوا قول الراجز في صفة السّحاب:

كأنّ في ريّقه إذا ابتسمبلقاء تنفي الخيل عن طفل متم

وقال محرز بن مكعبر الضبّيّ:

أقرّ العين أن طارت عليهمشميط اللّون ليس لها حجول

ولذلك سمّوا الأبرص الأسيدىّ الراقي المتكهّن: «أبلق». وإيّاه عنى ذو الرّمّة فقال:

أعبد أسيديّ عليه علامةمن السّوء لا تخفى على من توسّما

وإيّاه يعني العلبان الشاعر، أحد بني عبد الله بن درام، حيث يقول:

هل الأبلق الراقي الأسيديّ مبريءفؤادي من حبّي جواري بني بدر

ليس يعني رهط حذيفة بن بدر.

وكان جرير بن الخطفى زوّج أبلق بنته أمّ غيلان، على أنّه رقاها فأفاقت، فعند ذلك قال العلبان:

أخزيت نفسك يا جرير وشنتهاوجعلت بيتك بسلة للأبلق

وهجا جرير أيضا الأبلق بأنّه أبلق، وبغير ذلك، فقال:

يا أبلق الكشح إنّ النّاس قد علمواأن المهاجر تخزي كلّ كذّاب
لو كنت شاورت ذا عقل فأرشدنييوم الفريقين ما دنّست أثوابي
قد كنت عندك قبل الفعل ذا أربمستحكما بعراقي الدّلو أكرابي
لو كنت صاهرت، إنّ الصّهر ذو نسبفي مازن أو عديّ رهط منجاب
ما كنت، ذا الجلدة البلقاء، تعجبنيسوف السّوابق ريح الكودن الرابي

واعترض على جرير البلتع العنبريّ، لأنّ عمرو بن تميم ولدهم جميعا فقال:

أتعيب أبلق يا جرير وصهرهوأبوه خير من أبيك وأمنع
أتعيب من رضيت قريش صهرهوأبوك عبد بالخورنق أوكع

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.