من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أمّ سراقة [٥] بن مالك بن جعشم المدلجيّ
كانت برصاء وأنشد قول أميّة بن الأسكر:
قد جرّت البرشاء أمّ سراقةرمته بها البغضاء بين الحواجب
وقد نيل شطر اللّيل حتى تغضّنتمشافره كالقنفذ المتحارب
إذا غمزته الكفّ قال ألالهوخشيته، لو أنّه غير شائب
فهو لعمري شعر أميّة بن الأسكر. وليس في ذكر البرش دليل على البرص. والذي هجا به أميّة بن الأسكر نفسه في هذا الشعر السّخيف السفيه أسمج وأشنع مما هجا به سراقة. وهذا المثل يرغب بمثله عنه.
وسمعت شيخا من مزينة يقول: لولا الذي كان من زهير من الفحش في هجاء بني أسد لما كان في الأرض أتمّ في مروءة شعره، ولا
أقصد، ولا أقلّ تزيّدا من زهير، لأنّه وصف الملوك والسّوقة، والفرسان والسّادة بالذي يكون فيهم.
ويقول أهل العلم: ثلاثة رجال سادوا في الجاهلية والإسلام أحدهم سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجيّ، والآخر الجارود بني المعلّى العبدي، والثالث جرير بن عبد الله البجليّ.
وقالوا في المولّع، قال أبو عبيدة: كان ثمامة بن عبد الله بن
أنس أسلع بن أسلع بن أسلع. ولذلك قال خليفة الأقطع، أبو خلف ابن خليفة الشاعر:
وكنّا قبل مستقضى بلالمن الشّيخ المولّع في عناء
تقيّل شيخه وأبا أبيهكما قدّ الحذاء على الحذاء
ويقال إن ولد أنس بن مالك لا ينفكّون في كلّ زمان أن يكون فيهم رؤساء إمّا في الفقه، وإمّا في الزّهد، وإمّا في الخطابة. ولم يكن بالبصرة
أنظر من ثمامة، ومن موسى بن حمزة. وولد لأنس عشرون ومائة من صلبه. وقد كان رسول الله ﷺ دعا له بكثرة الولد والسعة في الرّزق. ويستدلّ على مصداق ذلك بكثرة قطائعه. قالوا: ولم يكن يعتريهم عطاش مذ صار فيهم قدح رسول الله ﷺ. وزعم أصحاب المسند أنّه ليس في جميع المسند أكثر منها فوائد من مسنداته.
وإمامة مسجد الجامع بالبصرة مقصورة على الأنصار، لما فيهم من الصلاح والحال الجميلة. وليس لأحد من أهل البصرة من الموالي مثل ما لهم. فمن مواليهم: الحسن، وابن سيرين. ولم يتلطّخوا بشيء من
الفتن في طول ما حاربت الأزد بالبصرة لتميم. هذا وهم فرسان الأزد.
وزعموا أن بني نمير برص. واستشهدوا قول كعب بن سعد الغنوي:
ما إن في الحريش ولا عقيلولا أولاد جعدة من كريم
ولا البرص الفقاح بني نميرولا العجلان زائدة الظّليم
أولئك معشر كبنات نعشرواكد لا تسير مع النّجوم
قال: وهذا هو معنى قول جرير:
ولو وضعت فقاح بني نميرعلى خبث الحديد إذا لذابا
قالوا:.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع